بعد أحداث 11 سبتمبر المشؤومة رمت أميركا بورقة الإصلاحات ودمقرطة الشرق الأوسط الكبير. ولقيت الدعوة الملتبسة بعض الاستجابة لدى بعض نخب البلاد العربية «المغلوبة على أمرها».

منذ البدء كان فجر الإصلاحات كاذباً ومغلفاً بايديولوجيا «الخير والشر» ومعبئا بالمصالح الامبريالية. ومتوخيا قتل أنظمة فاسدة وشبه ميتة وخلق بدائل أسوأ.

امتحان العراق الدامي والعسير فضح اللعبة وكشف المخبأ فسقطت ورقة الإصلاحات والدمقرطة، واستعاد اليانكي الأميركي وجهه الحقيقي وبدأت الحرب في العراق تأخذ الطابع الطائفي لأنه احد المعاني الكريهة لمعنى الخير والشر كرؤية بوش الابن والوسيلة المثلى لأنموذج «الشرق الأوسط الموعود».

ولأن أحداث الأمة أي أمه لا تنفصل ولا تتجرأ فقد برز امتحان أكثر تحدياً وعسراً في فلسطين المحتلة، فقد جاءت نتيجة انتخابات حرة وديمقراطية بقيادة من أهل الشر «حماس » ما أغضب سيد البيت الأبيض والوكيل المعتمد إسرائيل.

وكان الرد الأميركي الإسرائيلي مكشوفاً وهستيرياً فقد تخلت أميركا عن شعار الدمقرطة الزائف. وأعطت تأييدها علناً للنظام البالي القديم في المنطقة كلها. أما إسرائيل فقد أعلنت حرباً مفتوحة وشاملة ضد كل ما هو فلسطيني وكان عقاب الشعب المتعطش للحرية والديمقراطية جماعياً، فقد فرض عليه الحصار الجائر. وحرب شاملة وتتصرف إسرائيل إزاء المجتمع والقانون الدولي وكأنها فوقهما، فتدير ظهرها للقرارات الدولية وتتنكر للاتفاقات. وتعلن حرب إبادة ضد كل شيء في فلسطين. فتقوم باغتيال المدافعين عن أرضهم وتقتل الأطفال ، وتهدم المساكن على رؤوس السكان وتغتال الأطفال والأشجار. وتختطف الحكومة ومجلس الشعب المنتخبين في فلسطين في ظل صمت عربي ودولي مريب.

وتتوسع دائرة حريق «الخير والشر » بل يمتد الحريق إلى لبنان فتتعكز إسرائيل على اختطاف جنديين إسرائيليين لتعلن حرباً شاملة ضد لبنان فتقذف بطليعة جيشها إلى الجنوب اللبناني. وتقوم بوارجها وطائراتها بدك القرى والمدن لتقتل في ثلاثة أسابيع ألف مدني جلهم من النساء والشيوخ والأطفال ، وبالأخص الأطفال ما جعل من الجيش الإسرائيلي قاتل أطفال بامتياز .

اعتمد الجيش الإسرائيلي على قوة الصدمة والرعب نفس أسلوب السيد الأميركي في العراق وكالعراق كان سلاح الجو قائد المعركة. وقامرت أميركا كإسرائيل على حسم المعركة في بضعة أيام. ولكن صمود المقاومة اللبناني قلب الطاولة على جيش من أعتى الجيوش في العالم .

لم يحسم الجيش المعركة في أيام كما كان متوقعاً رغم انه مسنود من أطراف دولية عديدة وبالأخص من «آلهة الخير» أميركا الأكثر حماساً للحرب من بعض القادة الإسرائيليين. فلجأت فرنسا وأميركا إلى سن مشروع مقدم لمجلس الأمن يحقق لإسرائيل ما عجز جيشها عن تحقيقه في الميدان. ولكن صمود المقاومة قد أعاق تمرير المشروع. وبرز تباين في المواقف الدولية.

صحيح أن هناك تبايناً وتذبذباً في مواقف الدول الأعضاء في مجلس الأمن. وقد أدى صمود المقاومين والتفاف اللبنانيين. والتحرك العربي المحدود الأثر إلى إعاقة تمرير المشروع المنحاز بالمطلق للمعتدي الإسرائيلي. فهو لا يدعو لوقف فوري لإطلاق النار ويعطي لجيش الاحتلال الاحتفاظ بمواقعه بمباركة دولية. وفيما بعد بحراسة دولية أيضا وهو مشروع فتنة داخلية كما وصفه السيد بري بحق .

الملمح الأخطر ترافد العدوان العسكري والتلويح بالمشروع. والاهم تعثر الاجتياح البري وتراجعه إزاء الصمود الأسطوري للمقاومة. وهو ما ينعكس سلباً على الموقف الدولي المتذبذب والمائع وحتى التحرك العربي العاثر والمتأخر إنما جاء بسبب هذا الصمود الذي قهر الجيش الذي لا يقهر. وحير الأميركان وأعاد الحياة للموات العربي الرسمي. فما كان بالإمكان تراجع هذا التخاذل العربي وتحركه لولا الصمود اللبناني .

مراوحة الجيش الإسرائيلي في الشريط الحدودي لأكثر من أربعة أسابيع هو الذي قلب الموازين. وغير التوجهات الدولية المؤيدة لإسرائيل.

كاتب يمني