الآن وبعد أن تيقن خبراء السوق المهتمون بصناعة النفط أن حرب إسرائيل ضد حزب الله لن تمتد رحاها إلى سوريا أو إيران، فإن اهتمامهم تحرك بمسافة قدرها 900 ميل شرقاً. لقد وعدت طهران بأن ترد بحلول الثاني والعشرين من أغسطس الجاري على الاقتراح الغربي الخاص بمنحها حوافز مقابل
وقف تطوير برنامجها النووي. ونحن بدورنا يمكننا توقع قيام النظام الإيراني إما بعرض تعهد مشروط بتعليق تخصيب اليورانيوم أو بالدخول في موجة جديدة من أجواء الحرب. ومن ثم فإن المحللين يرون أن الثاني والعشرين من أغسطس- في كلتا الحالتين- سيكون يوماً حاسماً لأسعار النفط في العالم.
غير أنه من الصعوبة بمكان التعامل مع حمام الدم الذي يشهده لبنان والبرنامج النووي الإيراني باعتبارهما أمرين منفصلين. فحرب إسرائيل مع حزب الله في واقع الأمر قد زادت من خطورة الموقف على طاولة النقاش النووي
وساهمت في مضاعفة الزخم الدبلوماسي الذي أفضى في الواحد والثلاثين من يوليو الماضي إلى قرار من مجلس الأمن الدولي كان الأول من نوعه الذي يلزم إيران قانونياً بوقف تخصيبها لليورانيوم. لقد ساعدت حرب لبنان الملف النووي الإيراني ليكون مركز جاذبية في إطار معركة سيطرة وهيمنة أوسع في المنطقة.
وفي عشية زيارتها الأخيرة للمنطقة، أكدت وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس أن الصراع الدائر في لبنان يجب أن يُفهم باعتباره «آلام مخاض ولادة شرق أوسط جديد». ولكن ما هو نوع هذا الشرق الأوسط الجديد الذي سيولد نتيجة هذه الحرب؟
هل هو شرق أوسط تمتلك فيه كل من إيران وسوريا وحلفائهما المسلحين ثقلاً أكبر؟ أم أنه شرق أوسط ستتعاون فيه أميركا وإسرائيل والحكومات المعتدلة في المنطقة بشكل أكثر فعالية للرد على موجة التشدد الإقليمي في المنطقة؟ أي المعسكرين له اليد الطولى؟
إجابات تلك الأسئلة ستظهر مع مرور الوقت. ولكن هناك أمر واحد واضح كل الوضوح وهو أن إيران تعتقد أن إسرائيل قد منحتها الورقة الرابحة والفرصة كي تعيد التأكيد على حقها في امتلاك برنامج نووي.
إن الحرب في لبنان تعطي الحكومة الإيرانية شيئين تحتاجهما طهران بشدة: فالحكومة الإسرائيلية مكنت إيران من خلال حلفائها في حزب الله من الظهور بثقل أكبر من ثقلها ومن الوصول إلى ما هو أبعد من حدودها.
وسمحت الحرب أيضا لإيران بأن تقول إن إسرائيل يمكن أن تهاجم جيرانها من دون أن تتعرض لعقوبة لأنها الدولة الوحيدة التي تمتلك القوة النووية في المنطقة.وقد كان الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد بالفعل محط الاهتمام العالمي بسبه إسرائيل وبقوله إنه يجب «محوها من خريطة» الشرق الأوسط.
ودفعت عملية بث صور الصواريخ الإسرائيلية وهي تتساقط على اللبنانيين المدنيين عدداً من القادة المسلمين إلى انتهاز الفرص كي يظهروا أنفسهم باعتبارهم قادة مقاومة ضد العدوان الإسرائيلي. والأهم من ذلك كله هو أن العدوان الإسرائيلي قد ساعد النظام الإيراني على الحصول على أكبر قدر من الدعم الشعبي في الداخل.
ومن ثم فإنه ليس من قبيل المفاجأة أن يقوم النظام الإيراني بانتهاز الفرصة التي يعتقد أن النظام الإسرائيلي قد منحه إياها للتأكيد على حقه في مواصلة تخصيب اليورانيوم بصرف النظر عما طالب به مجلس الأمن. وحذرت الحكومة الإيرانية في الحادي والعشرين من يوليو الماضي من أنه في حال أن يسحب مجلس الأمن الجزرة ويكتفي بالعصا، فإن إيران لن يكون أمامها خيار سوى تغيير سياساتها النووية.
واحدٌ حتى الآن في طهران لم يفسر ماذا يعني هذا، ولكنّ الأمر قد يمثل مؤشراً مبكراً على أن إيران قد تنسحب من اتفاقية عدم الانتشار النووي. وإذا قامت طهران بهذا فإنه من المرجح أن تزداد حالة التوتر الدولي التي تحيط بالأزمة الحالية حدة.
إن إيران تعتقد أنها تمسك بجميع أوراق اللعبة في يديها، وذلك على الرغم من قرار مجلس الأمن. وفي حال رفض إيران في النهاية حوافز الغرب من أجل وقف نشاطها النووي، فإن التأييد الدولي للعقوبات قد يقوّض أيضاً جهود روسيا والصين لتقليص الضغط الغربي على إيران.
وعلى الرغم من أن قرار الواحد والثلاثين من يوليو الماضي قد حظي بدعم صيني وروسي وذلك بعد أن تم حذف غليظ العبارات، فإن الدولتين أيدتا دعوة القرار لإيران كي توقف تخصيبها لليورانيوم بنهاية أغسطس، وفي حال رفض إيران وطرح مسألة العقوبات ضدها للتصويت في مجلس الأمن، فإن موسكو وبكين قد تضطران إلى الامتناع عن التصويت من أجل إفساح الطريق أمام عصا الدبلوماسية.
وهكذا تسببت حرب إسرائيل على حزب الله في زيادة المخاطر في المنطقة وضاعفت من قوة الدفع التي قد تزج خلال الأشهر المقبلة بكل من إسرائيل والولايات المتحدة وإيران إلى مواجهة خطيرة.
خدمة «لوس أنجلوس تايمز »
خاص ل«البيان»
