عندما سكتت المدافع وتوقفت الغارات الجوية الإسرائيلية وتراجعت محاولات التوغل الفاشلة في جنوب لبنان، وبعدما أوقف حزب الله اللبناني إطلاق صواريخه التي نشرت الرعب في الكيان الصهيوني، انطلقت التساؤلات التي طرحت نفسها على المراقبين وعلى الرأي العام في الجانبين، مثلاً.. من الذي انتصر في هذه المعركة غير المسبوقة؟ وما هو مستقبل المقاومة؟ بل ما هو مستقبل إسرائيل ولبنان والمنطقة كلها بعد المعادلات الجديدة لتوازنات القوى؟
سواء أن الحرب، أية حرب، هي مصدر خسارة لكل القوى المشاركة فيها كان ميزان القوى مائلاً أو هائلاً لطرف من الأطراف، وسواء كانت حرباً مشروعة أو غير عادلة لطرف من الأطراف. ومع ذلك يكون المنتصر عسكرياً هو الذي أحرز من الانجازات العسكرية ما يضاعف من قوة ردعه وهيبته في المستقبل،
وتضيف إلى شرفه العسكري أو تخصم منه بقدر ما أظهره من كفاءة قتالية، وشجاعة بشرية وأخلاق إنسانية، ونفذ مهامه الحربية في أكثر وقت وبأقل الخسائر.ويكون المنتصر سياسياً هو الذي ينجح في النهاية بعد زوال آثار الحرب في تحقيق الأهداف السياسية من هذه الحرب، بغض النظر عن الخسائر العسكرية أو المدنية التي تحملها في سبيل هذه الأهداف.
باعتبار أن الحرب في النهاية تنشأ استكمالاً للصراع السياسي بين الإرادات بهدف سعي احد الأطراف تحسين قدرته على فرض شروطه لتحقيق أهدافه السياسية أو الجزء الأكبر منها. من هنا فالطبيعي أن ينتصر سياسياً بنسبه ما، من أحرز انتصاراً عسكرياً بنفس القدر، ولكن عوامل كثيرة ذاتية وموضوعية ، ميدانية وإقليمية ودولية، اقتصادية وإنسانية وثقافية عادة ما تدخل في حساب النتائج النهائية في الصراع، لينتصر سياسياً من انهزم عسكرياً أو ينهزم سياسياً من انتصر عسكرياً!
من تلك العوامل مثلاً، مدى كفاءة القيادة السياسية لطرف من أطراف الصراع في استثمار النتائج العسكرية إذا كانت لصالحه، أو استثمار الظروف السياسية أو الاقتصادية الإقليمية والدولية بشكل يحقق أهدافه السياسية أو جزءاً منها، بالرغم من كون النتائج العسكرية ليست في صالحه.
بهذا يمكن القول، الكل في الحروب يخرج خاسراً، لكن المنتصر فيها هو من ينجح في تثبيت إرادته، وفرض شروطه، وإفشال تحقيق أهداف عدوه، وتحقيق أهدافه السياسية مهما كان الثمن العسكري أو الاقتصادي أو الإنساني وهو أغلى الأثمان في الحروب.
وبهذا المفهوم نعيد طرح السؤال..ومن الذي خرج منتصراً من تلك المعركة التي نتجت عن العدوان الإسرائيلي على لبنان، ظناً بالوهم أو بالمنى أن آلته العسكرية قادرة على القضاء على مقاومة لبنان بنزع سلاح حزب الله، وتدمير بنيته العسكرية، وشل قدرته على إطلاق الصواريخ على شمال إسرائيل؟
الإجابة وردت على لسان أطراف الصراع والأطراف الدولية المعنية بنتائجه، وعلى مدى شعور الرأي العام في كل طرف بأنه هو الذي انهزم. في إسرائيل.. هناك شبه إجماع بين المراقبين والسياسيين والإعلاميين بل والقادة العسكريين، على خيبه أمل من العيار الثقيل تعم كافة الأوساط الإسرائيلية،
مع قدر من المكابرة الرعناء من جانب «اولمرت»و«عمير» في مواجهة المعارضة المتصاعدة للحرب والمطالبة بالمحاسبة القضائية للحكومة والجيش من جانب الرأي العام الإسرائيلي الذي لا يشعر بالهزيمة فقط، بل بالخوف على المستقبل المجهول أيضا.
«اولمرت» يقول انه المسؤول ويدعى انه انتصر، و«عمير» يواجه انتقادات مريرة من العسكريين أنفسهم، و «حالوتس» يتوقع الإقالة بعد التحقيق. بينما تقول «ليفني» وزيرة الخارجية إن أقوى جيوش العالم لا تستطيع نزع سلاح حزب الله، ويقول «موفاز» وزير الحرب السابق إن الجيش الصهيوني واجه الهزيمة، فيما يؤكد «بن اليعازر» رئيس الأركان السابق أن جيش إسرائيل خسر الحرب مع رجال حزب الله.
بينما نسمع ذلك في تل ابيب، يخرج علينا «بوش» في واشنطن في اليوم التالي لأضخم تظاهرة شعبية أميركية أمام البيت الأبيض معارضة للعدوان الإسرائيلي ولسياسة الرئيس المنحازة، مدعياً «أن حزب الله مُنيّ بهزيمة قاسية»!!
في حين أعلن «نصر الله»، وفي ظل تأييد وطني لبناني غالب، ودعم شعبي عربي غلاب، أن المقاومة الوطنية اللبنانية بقيادة حزب الله حققت نصراً استراتيجياً وتاريخياً غير مسبوق على العدو الصهيوني. لكن الثابت في النهاية هو أن إسرائيل لم تنتصر بإقرار الجميع، وان المقاومة لم تنهزم بتأكيد الجميع في هذه الحرب..
فترى من الذي انتصر؟!
سؤال لم نفرغ من إجابته بعد.
mamdoh77t@hotmail.com