من السابق لأوانه القول بأن هذا المخطط قد فشل، ولكن من الواضح انه يعاني من صعوبات جمة بعد أن اصطدم بإكراهات وممانعات الواقع المر. من المعلوم أن مخططهم كان يقول بأن نشر الديمقراطية في المنطقة عن طريق تغيير الأنظمة الحالية سوف يؤدي إلى تخفيف الاحتقان الذي تعاني منه المنطقة العربية منذ عقود عديدة. وسوف يؤدي إلى إزالة الأحقاد الضخمة المتراكمة بين العرب واليهود على وجه الخصوص.

وكانت نظرتهم تقول بأن الأنظمة الديمقراطية هي بطبيعتها ميالة إلى السلم لا إلى العدوان والحرب على عكس الأنظمة الاستبدادية كنظام صدام حسين مثلا، وهذه فكرة كانطية صحيحة، ولكن المشكلة هي أن كل الانتخابات الديمقراطية التي جرت في المنطقة العربية أدت إلى وصول الأصوليين إلى السلطة: من الكويت إلى مصر إلى البحرين إلى السعودية هذا دون أن ننسى إيران والعراق وفلسطين.

ولو جرت انتخابات حرة في بلدان أخرى لربما حصل نفس الشيء. ولهذا السبب تخلت واشنطن مؤخرا عن فكرة تغيير الأنظمة الحالية. فهي لا تريد حماس جديدة في شتى أنحاء العالم العربي وإنما تكفيها حماس واحدة. ولهذا السبب أيضاً تنفست الأنظمة الصعداء ولم تعد واقعة تحت ضغط واشنطن الرهيب الذي يقصم الظهر.

ما الشيء الذي أوقع المحافظين الجدد في هذه الحماقة الرهيبة يا ترى وهم من الأذكياء عموما؟ لقد اعتقدوا أن المجتمعات العربية هي مثل ألمانيا أو اليابان بعد الحرب العالمية الثانية. ولكن فاتهم أن ألمانيا كانت ذات تراث ليبرالي وتنويري عريق قبل الكارثة الهتلرية التي لم تشكل إلا فاصلا شاذا وقصيرا جدا في تاريخهم.

ألمانيا كانت قد حققت وحدتها السياسية وحلت مشكلتها الطائفية بين البروتستانت والكاثوليك عن طريق اللاهوت الليبرالي والفلسفة المثالية الألمانية العظيمة: فلسفة كانط وفيخته وشيلنغ وهيغل والشاعر الكبير هولدرلين. وبالتالي فلم تعد عندها أي مشكلة لتبني النظام الديمقراطي الليبرالي التعددي الذي يضمن الحريات الأساسية للسكان ويعتبرهم جميعا مواطنين من الدرجة الأولى. وقل الأمر ذاته عن اليابان وان بدرجة اقل.

أما في العالم العربي والإسلامي عموما فلم يحصل أي شيء من هذا القبيل. فالتنوير الليبرالي فشل بعد أن شهد مرحلة صعود لا يستهان بها طيلة عصر النهضة وحتى منتصف القرن العشرين. بعدئذ جاء المد القومي ثم القومي الماركسي الذي كان تنويريا دون أن يكون ديمقراطيا على الطريقة الغربية.

ولكنه مني بالفشل الذريع بعد هزيمة خمسة يونيو. وعلى أنقاض هذا الفشل انتشرت الحركات الأصولية ذات القاعدة الشعبية العريضة. ولهذا السبب فإن أي انتخابات حرة سوف تجيء بالأصوليين إلى السلطة لا محالة.

فما دام العدو على الأبواب وما دام الفقر يكتسح قطاعات واسعة من السكان وما دامت الايديولوجيا الأصولية عندنا لم تتعرض للنقد التاريخي الصارم كما حصل في أوروبا فلا يتوقع أن تتغير الأمور في المستقبل المنظور.

ولهذا السبب فشل مخطط المحافظين الجدد في منطقة الشرق الأوسط. هناك سبب آخر أدى إلى فشله ألا وهو الانحياز الفاضح لليمين الإسرائيلي ليس فقط لأن معظم المحافظين الجدد هم من اليهود وإنما لأن الغرب كله يحمل صورة خاطئة عن قضية فلسطين فهو يريد أن يعتذر لليهود عن طريق تدفيع الآخرين الثمن. وهو منطق غريب الشكل بل انه لا منطق على الإطلاق ولكنه سائد في معظم دوائر القرار الغربية على الأقل حتى الآن.

في الواقع ان المشكلة الأساسية المطروحة على المنطقة لم تكن الديمقراطية الشكلانية بالدرجة الأولى وإنما كانت الحل العادل للصراع العربي الإسرائيلي أولاً ثم تقليص مساحات الفقر المدقع ثانيا ثم نشر الفكر التنويري والفقه الليبرالي اللاطائفي ثالثا. بعدئذ تجيء الديمقراطية كتحصيل حاصل ولكن ليس قبل ذلك.

بعدئذ تنحسر الأصولية المتطرفة من تلقاء ذاتها ولا نعود بحاجة الى صواريخ بوش وطائراته من اجل القضاء عليها. ولكن المحافظين الجدد وضعوا العربة أمام الحصان فكانت النتيجة كل هذه الفوضى التي نشهدها اليوم. وهي ليست فوضى خلاقة على عكس ما يتوهمون لأنها ليست قائمة على الحق والعدل.

هناك فوضى رائعة أحياناً وتتمخض عن نظام حر جديد. بل انه لا يمكن أن يتحقق أي نظام جديد في التاريخ إلا بعد المرور بمرحلة الفوضى والعذاب والتيه ولكن ليس أي فوضى. أقول ذلك وأنا أتمنى أن أكون مخطئا.

إن على الغرب أن يفهم أن العرب لا يستطيعون مواجهة كل التحديات دفعة واحدة وبخاصة ذلك التحدي الكبير الذي خلقه الغرب نفسه لهم بتأسيس دولة إسرائيل بين ظهرانيهم دون استشارتهم .هذه الخطيئة الأصلية هي التي قد تفشل مخططات بوش والمحافظين الجدد كلهم على الرغم من جبروت الولايات المتحدة الأميركية.

ولكن بعد أن أصبحت دولة إسرائيل حقيقة واقعة كان يمكن للغرب أن يحد من حجم الخطيئة عن طريق لجم إسرائيل وإيقافها عند حدها. ولكنه بدلا من ذلك راح يلجم الملجومين ويطالبهم وحدهم بتقديم التنازلات. هذا العمى الايديولوجي لبوش والمحافظين الجدد قد يكلفهم غاليا. لقد كانت عندهم فرصة ذهبية لفرض حل معقول على العرب والإسرائيليين ولكنهم فضلوا تفويتها على ما يبدو لصالح منطق القوة وإذلال العرب وفرض الهيمنة الإسرائيلية المطلقة.

لماذا يفعل الغرب ذلك يا ترى؟ على هذا السؤال يجيب احد كبار المحررين في صحيفة اللوموند الفرنسية دانييل فيرنيه قائلاً: ينبغي العلم بأن المحافظين الجدد يعتبرون الأصولية الإسلامية بمثابة ايديولوجيا توتاليتارية جديدة تماما كالفاشية والنازية في أوروبا. وبالتالي فلا ينبغي التساهل معها على الإطلاق لأن تساهل الديمقراطيات الأوروبية مع هتلر أدى إلى احتقاره لها وغزوه لبولونيا واندلاع الحرب العالمية الثانية.

فالفاشية اما أن تسحقها أو أن تسحقك ولا حل ثالثا بينهما. ينتج عن ذلك الخلط بين حركات التحرر الوطني كحماس وحزب الله وبين تنظيم القاعدة ذي الإرهاب المجاني. وهذا الخلط يعني القفز على مشكلة الشرق الأوسط كلها بدلا من مواجهتها وجها لوجه ومحاولة حلها عن طريق إقامة دولة فلسطينية إلى جانب الدولة العبرية.

يضاف إلى ذلك انه إذا كانت الايديولوجيا الاصولية هي توتاليتارية بالفعل وينبغي أن تحارب بصفتها تلك إلا أنها لا تملك الأجهزة البيروقراطية للدولة التي كانت تمتلكها التوتاليتاريات الكبرى في القرن العشرين كالفاشية والنازية والشيوعية الستالينية. وبالتالي فمحاربتها ينبغي أن تتخذ شكلاً آخر غير الحرب الكلاسيكية والغزو بالجيوش. يضاف إلى ذلك انه تنبغي محاربة الجذور العميقة للظاهرة وليس فقط الظاهرة ذاتها كما يفعل بوش حاليا.

كاتب سوري

باريس