انتصر حزب الله وانتصرت المقاومة اللبنانية على إسرائيل. ومهما زايد المزايدون وباغتتنا تحليلات الانتهازيين الذين تمنوا هزيمة الحزب وهزيمة الجنوب اللبناني، فقد انتصر الحزب وانتصرت المقاومة رغم أنف هؤلاء الحاقدين الموتورين، عملاء إسرائيل وأميركا في المنطقة العربية.
نحن أمام معادلة جديدة في العالم العربي برمته، معادلة لم تحسمها تلك الجيوش النظامية الصدئة المتخمة بترسانات عسكرية ضخمة، بل حسمتها تلك الميليشيات التي تستخدم أسلحة بسيطة وعتيقة لا يمكن مقارنتها بحجم ونوعية السلاح الإسرائيلي.
ورغم حجم الدمار الشامل الذي لحق بالجنوب اللبناني، ورغم البربرية الإسرائيلية التي فاقت كل تصور، فقد انتصر حزب الله وانتصرت المقاومة في جنوب لبنان.مشهد باهر عايشناه خلال خمسة وثلاثين يوماً، هي عمر الحرب التي اندلعت بين إسرائيل وحزب الله.
ورغم أن إسرائيل الجبانة قد اعتمدت على تفوقها الجوي، من أجل قتل المدنيين، النساء والأطفال والشيوخ، ومن أجل تهديم المنازل الآمنة والجسور والمستشفيات والقنوات التلفزيونية، ورغم أن إسرائيل لم تخض الحرب البرية إلا في فترات محدودة وقصيرة من عمر الحرب، فإن حزب الله استطاع أن ينال منها ومن جنودها ومن أسلحتها البرية والبحرية والجوية.
عناصر كثيرة ملأت هذا المشهد بالإبهار والسعادة والفرح والفخار، عناصر ستظل محفورة في عقول وقلوب اللبنانيين والعرب الشرفاء في كافة أنحاء الوطن العربي الكبير. عناصر سوف تبقى شاهدة على نبل الشهداء، جنوداً ومدنيين، وعلى عظمة النازحين المدمرة منازلهم والخاوية جيوبهم، وعلى أهمية الإنسان حينما يصبح وطنه هو العرض والكرامة والوفاء.
عناصر المشهد الباهرة كثيرة ومتنوعة وعميقة الدلالات. في صدر المشهد المدن الإسرائيلية وهي تحت حصار صواريخ حزب الله، والإسرائيليون وهم يختبئون في الملاجئ، لا تستطيع حكومتهم وجيشهم حمايتهم. لأول مرة يقاسي المدنيون الإسرائيليون ويلات الحرب، يقاسون ما قاساه المصريون في مدن القناة، يقاسون ما قاساه اللبنانيون عبر ربع قرن من تدمير لمدنهم وقراهم وبيوتهم وتاريخهم.
لا يمكن للمرء أن يخفي فرحته وسعادته بدموع المدنيين الإسرائيليين، وهم يهرعون خوفاً وهلعاً من صواريخ حزب الله، رغم محدودية تأثيراتها، مقارنة بالأسلحة المحرمة التي تستخدمها إسرائيل في لبنان. كما لا يمكن للمرء أن يخفي مشاعره وهو يرى المدن الإسرائيلية وهي في مرمى صواريخ المقاومة، ولا يستطيع الجيش الإسرائيلي وترسانته الهائلة إسكاتها أو حتى مجرد الحد من تساقطها على المدن الإسرائيلية.
في المشهد تصل صواريخ حزب الله إلى كل مدن الشمال الإسرائيلي، بل يعلن حزب الله أنه يمكن أن يضرب تل أبيب ذاتها، إذا ما ضربت العاصمة بيروت. إذا ضربتم بيروت سوف نضرب تل أبيب، لغة جديدة حادة وواضحة لم تتعودها إسرائيل، التي يلاطفها الجميع في العالم العربي، ويخطبون ودها ليل نهار. لغة تعاطت مع غطرسة العدو بندية بدون خوف وخنوع وبدون وهن وخوار.
هكذا هو العدو الإسرائيلي يحتاج إلى مواجهته وضربه وإرهابه. أليست هي الممارسات نفسها التي أذاقها هذا العدو البربري الهمجي للعالم العربي طوال نصف قرن من الصراع العربي الإسرائيلي، أليست هي نفس الأساليب الدموية التي يتعامل بها مع المدنيين الفلسطينيين في كل ساعة وفي كل يوم حتى الآن.
من هنا جاء المشهد باهراً من حيث المعاملة بالمثل، لا يخيف المقاومة هيمنة سلاح الجو الإسرائيلي، لا يخيفها هدم البيوت والجسور، لا يخيفها تشريد الملايين، بل على العكس يزيدها صلابة، ويدفعها إلى التركيز في النيل من هذا العدو والانتقام منه.
في المشهد، آلاف الإسرائيليين يتركون مدنهم، ويهرعون نازحين إلى المدن الإسرائيلية الأخرى التي لم تطلها صواريخ حزب الله بعد. المفارقة أن هؤلاء النازحين الصهاينة قد تخيلوا أنها مجرد أيام معدودة يعودون بعدها إلى مدنهم، حيث يزفون جنودهم العائدين من جنوب لبنان بالورود والأغاني، ولم يدر بخلدهم أن جنودهم سوف يعودون وهم منهزمون فرحون بالنجاة من جحيم المقاومة.
في الجنوب اللبناني، كان المشهد أكثر إبهاراً، وبشكل خاص، من خلال تفاصيل الحروب البرية التي اشتاق إليها مقاومو حزب الله، وتمنوها منذ بداية الحرب. يخاف الجنود الإسرائيليون المواجهة ولا يتمنونها، يواجهون مقاومة لا تلين ولا تخاف، مقاومة تبادر بالهجوم، مقاومة لها إستراتيجيتها وتكتيكها في التعامل مع هذا العدو البربري.
في المشهد، تعلن إسرائيل أن المقاومة قتلت 119 جندياً إسرائيلياً، وجرحت ما يقارب من 800 جندي. لا تقف المسألة عند ما فقدته إسرائيل من جنود، لكنها تتعدى ذلك، إلى ذلك الخوف والصراخ الذي انتاب الجندي الإسرائيلي المتمترس داخل دبابته الميركافا التي تساقطت وانهارت أمام جنود حزب الله الشجعان. على أرض الجنوب اللبناني سقطت هيبة إسرائيل، انهارت نخب الجيش الإسرائيلي المختلفة، أمام شجاعة وبسالة جنود حزب الله.
إن أجمل ما في مشهد السقوط الإسرائيلي هو روعة وبهاء وجمال الإنسان العربي، حينما يجد من يحترمه ويقدره ويؤمن به، ولعل هذا هو ما صنعه السيد حسن نصر الله حينما احترم جنوده وآمن بهم وبقدراتهم على التحدي والصمود والانتصار.
فالانتصار لا يكمن فقط في العتاد وحجم القوات، رغم أهمية ذلك، لكنه يكمن أيضا في شرف القضية ودرجة الإيمان بها، والاستحقاقات المرتبطة بها. فحزب الله وجنوده وجنوبه، مؤمنون بالقضية والمقاومة وضرورة المواجهة، وهو ما يؤمن له الصمود والانتصار والاستمرارية.
من أسف أن هذا المشهد الذهبي الأسطوري جاء مصحوباً بواقع عربي خائر وضعيف، لقد خذلت السياسة العربية سلاح المقاومة طوال مدة الحرب. بل إنه من المؤسف القول إن بعض الأنظمة العربية الكبرى تمنت هزيمة حزب الله، بل إنها استعجلت هزيمته، وربما دعت في صلواتها إلى هزيمته.
لا يحزن المرء هنا مواقف أميركا وأوروبا المخزية والحقيرة، كما لا يحزنه أيضا مواقف الأمم المتحدة ومجلس الأمن البالغة الضعف والخنوع للهيمنة الأميركية الإسرائيلية، لكن ما يحزن المرء أن تأتي الطعنات والمباغتات، وربما الخيانة، من الظهير العربي الذي كان يفترض فيه حداً أدنى من الوطنية والغيرة والكرامة.
وما يحزن المرء أكثر أن بعض الدول العربية التي انبرت للدفاع عن الرسول الكريم، وأقامت الدنيا وأقعدتها ضد الدانمارك، لم تحرك ساكنا تجاه البربرية الإسرائيلية، ولم تنتفض كرامتها ضد التدمير الإسرائيلي الأميركي للبنان. لقد كشفت الحرب اللبنانية عن مدى خنوع السياسة العربية تجاه أميركا وإسرائيل، كما كشفت أيضا عن مدى ورقية العديد من الأنظمة العربية الهشة، ومدى رخاوتها تجاه ما يحدث في المنطقة العربية.
لقد جاء انتصار المقاومة اللبنانية باهراً وجميلاً ومشجعاً وداعياً للتفاؤل والإيمان بالمستقبل العربي، ولم يعكر زهوة هذا الانتصار، ولم يشوه مشهديته سوى أن خلفيته تمثلت في هذا الواقع العربي الخائر والخانع والضعيف. اللهم ارفع عنا وطأة هذه الخلفية المقبضة للنفس، المثيرة للوهن والذل والشبهات!!.
كاتب مصري
salehabdelazim@hotmail.com
