تشهد الممارسة الإعلامية على الصعيد المحلي والعالمي هذه الأيام وخلال السنوات الأخيرة انزلاقات وانحرافات خطيرة آلت إليها الممارسة الإعلامية وكذلك مشكلات وضغوطاً يتعرض لها القائم بالاتصال في عمله اليومي من قبل جهات عديدة ومختلفة شغلها الشاغل

هو ابتزاز واستغلال المؤسسة الإعلامية لمصالح ضيقة على حساب إعلام موضوعي، مسؤول وهادف. انزلاقات وانحرافات عديدة تكون نتيجة التربص بالمهنة الشريفة وتكون مخرجات المؤسسة الإعلامية في آخر المطاف التشويه والتضليل والإثارة والانحياز في طرح الخبر ومعالجته.

جاء في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان سنة 1948م «أن لكل شخص الحق في حرية الرأي والتعبير ويشمل هذا الحق حرية اعتناق الآراء دون أي تدخل، واستقاء الأنباء والأفكار ونشرها بأية وسيلة كانت دون التقيد بالحدود الجغرافية».

ويقول سقراط «لكي تكتشف الفضيلة لا بد أن تعرف نفسك وتعرف الآخرين، فهذا هو الخير الأعظم للإنسانية»، ويرى أفلاطون أنه يمكن الوصول إلى الحقيقة من خلال المناقشة الحرة. وهذا يعني أن حرية الرأي والتعبير وحرية الصحافة، السوق الحرة للأفكار هي مستلزمات لا بد منها للوصول إلى الديمقراطية والرفاهية والازدهار.

إشكالية مهمة جدا وحساسة تتمثل في ظروف العمل والصعوبات والمشكلات والأخطار المختلفة التي يتعرض لها المراسل الصحافي في عملية البحث عن الحقيقة والبحث عن المعلومات وتقديمها للجمهور.و من خلال التجارب المختلفة للمراسلين والإعلاميين من جميع أنحاء العالم فإن عملية البحث عن الحقيقة والبحث عن الخبر لا تقدم دائما على طبق من ذهب،

والإحصائيات تقول إن مئات الصحافيين يموتون سنويا برصاص وقتل واغتيالات الإرهاب والأنظمة الدكتاتورية والمافيا المالية والسياسية سواء في دول الشمال أو الجنوب فاشتهرت دول كثيرة بصعوبة ممارسة الإعلام فيها ككولومبيا وبوليفيا والبرازيل والمكسيك وأفغانستان والجزائر والسودان وباكستان وإيران والقائمة طويلة.

فحسب تقارير «مراسلون بلا حدود» لقد لقي 475 صحافياً حتفهم في السنوات العشر الأخيرة، وأن نصف دول العالم لا يحترم حرية الصحافة، أضف إلى ذلك أن في العديد من دول العالم لا توجد هناك قوانين تحمي المهنة والمهنيين من جبروت وسلطة المال والسياسة والمافيا بمختلف أنواعها وأشكالها.

في الكثير من دول العالم الثالث لا توجد نقابات للصحافيين ولا مواثيق الشرف وهكذا يجد القائم بالاتصال نفسه أمام ميادين مملوءة بالألغام والمشكلات والعراقيل وهدفه في نهاية المطاف هو البحث عن الحقيقة وتقديمها للرأي العام كما هي لا غير. والمشكل هنا يكمن في أن قول الحق وتقديم الواقع كما هو للرأي العام لا يعجب الكثير من الفئات والجهات في الكثير من الأحيان،

وفي أحيان أخرى لا يعجب السلطة ولا يعجب أصحاب المال والنفوذالخ. تشير التقارير كذلك إلى أن آلاف الصحافيين عبر العالم يزج بهم في السجون والمعتقلات وفي الكثير من الأحيان لا أحد يسأل عنهم أو يدافع عن قضاياهم، وهذا هو جزاء من يبحث عن الحقيقة وعن الصالح العام.

في العالم العربي اشترينا التكنولوجيا دون التفكير في الرسالة وفي ما نبثه من خلال التكنولوجيا، كما مارسنا الإعلام وتفننا في استعماله دون التفكير في البداية ودون الإيمان الراسخ بالسوق الحرة للأفكار. وهكذا وبعد عقود من الزمن وبعد فوات الأوان وبعد أن استعملت وسائل الإعلام بطرق غير مهنية وغير احترافية وغير أخلاقية لتحقيق أهداف سواء سياسية أو تجارية أو غيرها على حساب المهنة والضمير والأخلاق والمصلحة العامة،

بعد كل هذا الوقت جئنا ننادي بما كان واجب علينا أن نبدأ به قبل عشرات السنين.كما يظن البعض أن التعددية السياسية أو التعددية الإعلامية تؤديان لا محال إلى حرية الفكر والرأي والإعلام، وهذا الطرح خاطئ وبرهنت عدة تجارب أن حرية الصحافة هي ثقافة وسلوك واقتناع قبل أن تكون قوانين وتشريعات.

إنه من واجب كل مؤسسة إعلامية أن تحمي صحافييها وهؤلاء الذين يلهثون ليل نهار بحثا عن الخبر وعن الحقيقة وعن إعلام الجمهور، كل هذا يجعل من «أخلقة» العمل الإعلامي ضرورة حتمية لا بد منها للممارسة الإعلامية النزيهة والشريفة والهادفة.

فكل مؤسسة إعلامية مطالبة بأن تحدد بكل وضوح ودقة المحرمات والمبيحات، واجبات القائم بالاتصال وحقوقه، وعادة تتحدد المحاور الرئيسية لميثاق الشرف الإعلامي فيما يلي: المسؤولية، الأخلاق، الدقة والموضوعية، احترام شعور وديانات ومقدسات الآخرين، احترام الحياة الخصوصية لأفراد المجتمع،

حق الجمهور في الأخبار والمعرفة والمعلومات، الالتزام باحترام المهنة والدفاع عنها وحمايتها من كل من يحاول المتاجرة بها أو استعمالها لأغراض غير المصلحة العامة وأغراض المجتمع، الالتزام بحماية الصحافي وحصانته والدفاع عنه عندما تتوجب الضرورة.

إذا انعدمت الأخلاق وسيطرت النزوات الشخصية أو الحزبية أو المالية التجارية ابتعدت المؤسسة الإعلامية عن خدمة المصلحة العامة وهذا يعني أنها بدلا من أن تكون المراقب العام في المجتمع والمدافع على الطبقات المحرومة تصبح في يد فئة محددة تستعملها وتسخرها لخدمة مصالحها وحتى لو كانت على حساب المصلحة العامة،

وهذا ما يؤدي إلى انعدام المصداقية وتدهور العلاقة بين الشرائح الاجتماعية العريضة في المجتمع والمؤسسة الإعلامية. بعبارة أخرى المؤسسة الإعلامية تعمل في فراغ تام وعملية التأثير والتأثر تنعدم من أساسها وفي غالب الأحيان يتوجه الجمهور المستقبل نحو وسائل ورسائل إعلامية أخرى ليجد ما لم يجده في الرسالة المحلية. وفقدان المصداقية في العملية الإعلامية يعتبر فشلا للعملية الإعلامية في مهدها.

وتنعدم المصداقية في العملية الإعلامية عندما تكثر الضغوط بمختلف أنواعها وأشكالها على القائم بالاتصال، وعندما تكثر التدخلات في عمل المؤسسة الإعلامية من قبل جهات وأطراف ليس لديها أي حق في التدخل في العمل الإعلامي.

وفي عالمنا العربي مع الأسف الشديد تعاني المؤسسة الإعلامية من ضغوط ومن تدخلات ومن تحكم وتوجيه تجعلها مؤسسة تبتعد كل البعد عن جمهورها وعن خدمة المصلحة العامة لصالح هؤلاء المتطفلين - نظرا لنفوذهم السياسي أو المالي الخ. ويصعب هنا الكلام عن الأخلاق أو ميثاق الشرف أو المصلحة العامة إذا كانت المؤسسة الإعلامية تحت رحمة حفنة من أصحاب الجاه والمال والنفوذ.

إن تحديد مهام ومسؤولية المؤسسة الإعلامية وتحديد مهام ومسؤولية القائم بالاتصال في ضوء ميثاق شرف شامل وواضح المعالم يعني أننا قضينا على الكثير من الملابسات ومن المناطق الغامضة التي قد تؤدي إلى سوء التفسير والاستخدام.

والمؤسسة الإعلامية في المجتمع مثلها مثل القائم بالاتصال الذي يصنع الرسالة التي تقدم للجمهور يجب أن تكون لديها رسالة نبيلة تعمل من أجلها ليل نهار للدفاع عنها وتحقيقها. المؤسسة الإعلامية يجب أن تبذل قصارى جهودها لإبراز الحق وتبيان الباطل،

فإذا كان الهدف النبيل موجودا والنية موجودة والمستلزمات متوفرة (قوانين، تشريعات، نقابات مهنية، مواثيق أخلاقية) وكذلك المناخ الديمقراطي وحرية التعبير والرأي، في هذه الحالة نستطيع أن نتكلم عن مؤسسات إعلامية فاعلة في وطننا العربي.

الممارسة الإعلامية مهنة نبيلة يجب أن تمارس آخذة بعين الاعتبار كل الأبعاد الأخلاقية والقانونية والتشريعية والمهنية. فالمؤسسة الإعلامية مسؤولة أمام المجتمع وأمام الرأي العام، ومسؤولة مسؤولية أخلاقية كبيرة جدا عندما تضّخم أشياء وتحجب أشياء أخرى، وعندما تركّز على عناصر معينة في الخبر دون غيرها.

وجريمة التضليل والتزييف والمغالطة والكذب أخطر بكثير من أي جريمة أخرى لأن المؤسسة الإعلامية عندما تزّيف أو تضلّل فإنها تكذب على ملايين البشر وليس على شخص واحد هنا تكمن أهمية الأخلاق والالتزام والنزاهة والمسؤولية في العمل الإعلامي لضمان السوق الحرة للأفكار.

كلية الاتصال

جامعة الشارقة