يوم تاريخي عاشه لبنان الصامد أمس. يوم يدشن لمرحلة جديدة في حياة شعب يتطلع إلى الأمن والاستقرار والنهضة الشاملة التي تعوضه عما دمره العدوان الإسرائيلي الذي تعمد من خلال جرائم الحرب التي ارتكبها أن يدمر البنية التحتية ويقتلع من أرض الأرز معالم وطن جميل، إلى درجة أن المراسلين والمراقبين الأجانب وصفوا أحد مشاهد الدمار في الضاحية الجنوبية لبيروت، بأنها نسخة طبق الأصل لما حدث لبرلين في نهاية الحرب العالمية الثانية.

أمس يوم تاريخي للبنان ينطلق من خلاله إلى عصر جديد نأمل أن يفتح باب الأمل نحو مستقبل يطمئن من خلاله كل مواطن على أمنه واستقراره وسيادة حكومته على كل ربوع الوطن. فقد بدأت طلائع الجيش اللبناني «الرسمي» أمس عملية انتشاره في الجنوب.

وكان المشهد مثيرا للاهتمام، لأن أبناء لبنان كانوا حريصين على متابعة عملية الانتشار، وفي الوقت نفسه خرجوا على امتداد الطرق يواصلون التعبير عن الانتصار الذي حققته مقاومتهم الباسلة التي لقنت إسرائيل درساً لا يمكن أن ينساه جيشها الذي ظل يتفاخر لسنوات طويلة، بأنه الجيش الذي لا يقهر.

عملية الانتشار تمتد لعشرة أيام يتواجد خلالها الجيش اللبناني في جميع المناطق الواقعة ما بين الخط الأزرق الحدودي وجنوب نهر الليطاني بما في ذلك منطقة العرقوب المتاخمة لمزارع شبعا المحتلة. والمرحلة الأولى تمت أمس بنجاح وشملت 2500 جندي لبناني من بين 15 ألفا سينتشرون تباعا في المناطق المحددة بالتعاون مع القوات الدولية «اليونيفيل».

وأهم ما يميز مراسم انتشار الجيش اللبناني، هو حرص قائده العماد ميشال سليمان على أن يخاطب قواته بكلمات أراد من خلالها أن يؤكد على وطنية ونزاهة هذا الجيش الذي تعرض لحملة افتراءات وصوبت إليه سهام النقد والتجريح من كل اتجاه. فقد قال مخاطبا جنوده: «تنتشرون اليوم إلى جانب مقاومتكم وشعبكم الذي أذهل العالم بصموده وثباته وكسر هيبة الجيش الذي قيل إنه لا يقهر».

لقد أراد العماد سليمان أن ينبه كل من تابع عملية الانتشار الأولى أمس داخل وخارج الوطن، بأن وجود الجيش على أرض الجنوب اللبناني، هو تأكيد على القيام بواجب وطني أقسم جنوده عليه يمين الولاء، وتحويل المنطقة مابين الحدود

ونهر الليطاني إلى حصن منيع للوحدة الوطنية ومساحة عبقة بطيب السيادة ورحابة الاستقلال على حد قوله البليغ الذي أكمله بالتأكيد على أن رهان الوطن على جيشه لا يوازيه الا ثقة هذا الجيش العالية بقدرته على ردع العدوان واستعداده للتضحية والفداء.

ما قاله العماد ميشال سليمان، هو وعد عسكري بأن الجيش اللبناني، ليس حالة استثنائية تختلف عن جيوش العالم، بل انه مثل أي جيش لدولة تتمسك باستقلالها وسيادتها على أراضيها. مهمته في المقام الأول هي حماية الوطن من أي عدوان.

صحيح أن الهدف السياسي المعلن عن مهمة هذا الجيش هي الحفاظ على الأمن ومنع وجود أي سلطة تكون خارجة على سلطة الدولة اللبنانية، الا أن ذلك لا يعني أنه سيتحول إلى حارس لحدود الكيان الإسرائيلي العدواني،

بل حارس ساهر على أمن لبنان وحمايته من أي اعتداء. ولكي يتحقق هذا الهدف، فإن جيش لبنان يحتاج إلى أن يعزز من قوته ليكون قادرا على ردع أي عدوان. وتلك مهمة ملحة تتطلب الإسراع في تطوير وتحديث الجيش بكافة أسلحته ليكون أهلا للمهمة الأساسية وهي حماية الوطن والدفاع عنه ضد أية محاولة للنيل من سيادة الوطن.

وفي ظل انتشار الجيش، لابد ألا نغفل عن دور المقاومة اللبنانية الباسلة التي أسقطت وأفقدت جيش إسرائيل مكانته وهيبته. هذه المقاومة التي أذهلت العالم بصمودها وشجاعتها وكفاءتها في الدفاع عن لبنان، يحسب لها أنها لم تقف عقبة على الإطلاق في طريق الانتشار.

حرص قادتها الذين رفعوا راية العزة والكرامة في كل بيت عربي، على تسهيل مهمة الحكومة اللبنانية في تنفيذ ما فرضه عليها المجتمع الدولي من منطلق الحرص على الوحدة اللبنانية الوطنية وعدم الخروج عن الإجماع اللبناني.

تحية من جديد لشعب لبنان ومقاومته التي يتفاخر بها الآن كل عربي، وتحية لجيش لبنان النزيه الذي وعد قائده العماد ميشال سليمان، بأنه سيكون حصناً منيعاً للوحدة اللبنانية الوطنية.