تتفاعل في ساحتنا الوطنية مختلف أشكال التعبير والتحرك استعدادا لخوض غمار الاستحقاق الديمقراطي المتمثل في الانتخابات الرئاسية والمحلية المقرر إجراؤها في العشرين من سبتمبر القادم وللمشاركة في هذا الحدث دلالاتها ومسؤولياتها الكبيرة باشتراطاتها وضروراتها ذات النبع الوطني ولها امتداداتها الإقليمية والدولية ودون استبعاد لما يمكن للتطورات المأساوية التي طالت لبنان بفعل حرب الإبادة الصهيونية العنصرية أن تلقيه من ظلال ومؤثرات تغدو مفيدة لمن يتعامل معها ويستلهم دروسها بإيجابية وطنية.
وانطلاقا من هذه المستجدات يفيد الدرس القادم من لبنان أن التعددية والديمقراطية السياسية والاجتماعية واحدة من نقاط أو مناطق الاستهداف المعادي للأمة العربية مجتمعة ومنفردة.
ولقد لمسنا بما يكفي كيف أن محاولة النفاذ من خلال ثغرات هذه التعددية إلى المجتمع اللبناني وإشعال الفتنة بين مكوناته كانت واحدة من الأهداف الأساسية للحرب الأسرائيلية.
وعايشنا في نفس الوقت كيف تلقى بل واجه اللبنانيون ذلك بوعي مسؤول نابع من الروح الوطنية مسقطين هذا الرهان بقوة وصلابة تماسكهم الوطني ليقدموا صورة سياسية للصمود ومشهدا اجتماعيا للانتصار.
ويستفاد من ذلك أن مجتمعاتنا العربية ومجتمعنا واحد من مكونات وجودها السياسي أمام خيارين أو هي التي تقع بين اتجاهين فأما تحصين التعددية وتكريس الديمقراطية كعامل لتقوية وتأمين الوطن أو كوسيلة للنفاذ إليه والنيل منه وليس هناك من وطني يقبل بالحالة الثانية أو أن يكون مشاركا في حدوثها.
ونتطلع هنا إلى وجه للشبه بين ما أوردنا من المدلول الاجتماعي العام للتعددية والمعنى الوطني الخاص بتجربتنا الديمقراطية من حيث ارتباط إقامة نظامها السياسي بإنجاز إعادة تحقيق الوحدة اليمنية ويبرز معنى وطني ثان عظيم الشأن من الارتباط الزمني بين العملية الانتخابية القادمة وشهر اندلاع الثورة اليمنية.
ويترتب تبعا لذلك على كل الممارسات وأطرافها السياسية أن تتمثل كليا هذا المضمون أو الميلاد الوحدوي والثوري لديمقراطيتنا، والتي تقع ضمن الثوابت الوطنية بل تتموضع في مقام الصدارة فيها.
ومما لاينبغي حدوثه أن يتم إغفال حقيقة أن الديمقراطية كخيار وطني إنما جرى انتهاج سبيلها الحضاري لهدف أسمى هو وضع نهاية لأزمنة الصراعات وإنجاز فتح تاريخي لمستقبل تنموي يتأسس ويبنى على مبدأ الشراكه الوطنية في تحمل المسؤولية وتحقيق النهضة اليمنية الشاملة.
وتأتي الشراكة الوطنية في ظل الديمقراطية ومن خلال المعارضة بشكل خاص وبشروطها التي تستدعي ممارسة النقد البناء للسلبيات وتقديم الرؤى والاتجاهات البديلة والأفضل لما هو موضع اعتراض.
ويظل التنافس الانتخابي البرامجي هو المطلوب على الدوام من أجل تقديم الأفضل لحياة المواطنين وازدهار الوطن بما لذلك من إسهام غير محدود في تكريس مفاهيم وتجسيد الديمقراطية التنموية.
ووفق التطلع التنموي للبناء النموذجي لتجربتنا الديمقراطية تتبلور الحاجة إلى التفاعل والاشتراك مع متطلبات هذا البناء من منظور الالتزام تجاه إقامة الديمقراطية كمنظومة شاملة للحياة اليمنية وعدم حصرها أو حشرها في الوجهة السياسية فقط.
ويتفق المجال الاشمل للتوجه والفعل الديمقراطي مع مقتضيات توفر اعتبارات المسؤولية الوطنية والحضارية تجاه الوطن ومواطنيه عند التعاطي مع مبدأ التداول السلمي للسلطة.
وكما أننا مسؤولون ديمقراطيا أمام مواطنينا نحن أيضا مسؤولون تجاه أمتنا العربية التي تتفاعل تجربتنا بكل الأمل والتطلع نحو المستقبل الأفضل حيث بتنا في مواجهة مع تبعات أن يصدر منا ما يخذل هذه الأمة.
ودوليا أيضا، ففي حين أن السبق الذي حققناه في انتهاجنا للديمقراطية قد ردّ عنا تيارات مشاريع الإصلاح السياسي الجارفة والقادمة من الخارج إلا أن مسؤوليتنا الوطنية تظل قائمة ولن يكتمل إنجاز مهمة تأمين ديمقراطيتنا بدون ضمان الاحترام الخارجي الكامل لاعتبارات كونها خياراً وطنياً حراً بالنسبة لنا.