ما تزال اصداء الخطاب الذي القاه الرئيس السوري بشار الأسد يوم أول من أمس وما حفل به من توصيفات وتصنيفات ومواقف سياسية مثار نقاش وجدل على الساحتين السياسية والاعلامية ناهيك عن الدبلوماسية والمرشح لمزيد من القراءة والفحص عن الخلفيات والايحاءات التي كشفتها العبارات الموحية واللاذعة التي وجهها الرئيس السوري الى اكثر من جهة ودولة عربية وتلك الاتهامات المباشرة الى فريق لبناني فاعل ووطني ويحوز على الاكثرية البرلمانية التي جاء اليها من خلال انتخابات ديمقراطية ونزيهة تمت حتى وفق قانون انتخابات العام 2000 وهو قانون «صممه» المسؤول السوري الاول في لبنان وبات يعرف بقانون غازي كنعان.
فهل يمكن بالفعل قبول وصف هذه الاكثرية وفريق 14 اذار بأنه منتج اسرائيلي؟
وبعيدا عن السجالات الاعلامية والحملات المبرمجة التي يفترض ان يكون العرب قد غادروها بعد أن أسهمت الخلافات والشكوك وانعدام الثقة فيما بينهم بتصديع صفوفهم وغياب دورهم وانعدام تأثيرهم حتى في قضايا المنطقة على نحو بات من الحكمة والضرورة الملحة المسارعة الى رأب الصدع واستدراك الامور وعدم السماح بتهميش الدور العربي في القضايا التي تخص المنطقة العربية؟
نحن فيما يبدو أمام مرحلة جديدة تحاول انتاج خطاب ونهج جديدين يقومان على احياء سياسة المحاور في العلاقات العربية العربية وتاليا في العلاقات العربية الاقليمية بكل ما يحمله هذا التوجه من خطورة وأكلاف يصعب على احد أيا كانت (نياته حسنة) الزعم بعدم وجودها أو الادعاء بأنها غير ذاهبة في اتجاه تفتيت ما تبقى من وشائج وعلاقات عربية عربية يسعى حكماء هذه الامة الى حمايتها والبناء عليها واحيائها وفق منظور ورؤيا وخطاب يضع اولا وقبل كل شيء مصالح الشعوب العربية العليا في مقدمة الاولويات ويأخذ في الاعتبار تقديم القضايا العربية العادلة على كل أجندة اخرى (ما هو مستقبل مؤسسة القمة العربية في ظل هذا الانقسام الذي بشر به الرئيس السوري؟)
ولنبدأ من حيث اصداء الحدث الكبير والمدوي الذي ما تزال اصداؤه تتردد في أربع رياح الارض ونقصد هذا الانتصار المعنوي والميداني الكبير الذي احرزه الشعب اللبناني بكافة فئاته وطوائفه وشرائحه وذلك الصمود الاسطوري الذي جسدته المقاومة اللبنانية وتلك البطولات التي اجترحتها دفاعا عن وطنها وسيادتها وقبل كل شيء عن كرامة شعبها وامتها..
فمن هو الذي احرز هذا الانتصار وبذل دماءه وارواحه كي يحققه في وجه آلة الموت الاسرائيلية التي امعنت في تدمير لبنان، بنى تحتية وبنايات ومشافي وجسور وشاحنات ومساكن وطرقات وابراج اتصالات ومرافىء؟
هم اللبنانيون ولا احد غيرهم وخصوصا أولئك الذين صمتوا طوال 34 يوما وكانوا «يراقبون» التطورات ويلتزمون القاعدة المعروفة بأنهم هم الذين يحددون ساعة ومكان المواجهة ولن يسمحوا «للعدو» بأن يجرهم الى معركة لا يختارونها هم؟
ثم لماذا هذا الاصرار على «تبديد» الفرحة العربية العارمة التي عمت الشوارع العربية والاسلامية انها صدمة كبيرة تلك التي احدثها خطاب الرئيس السوري وبخاصة انه راح يوزع «الاوسمة » ويمنح شهادات الوطنية فيما استبعد من قوائمه تلك «انصاف الرجال» واؤلئك الذين انكروا عليه الحديث عن النصر والحرب والسلام لانه لم يشارك في القتال؟
هل شاركت سوريا في الملحمة اللبنانية المشرفة ؟
ماذا لو كانت شاركت واقتسمت النصر « مناصفة » مع المقاومة اللبنانية : هل كنا، حيئذ امام جيوش منتصرة ستزحف باتجاه العواصم العربية التي لم تشارك في القتال ام هل كان قادة وانصار قوى 14 اذار اللبنانية سيعلقون على حبال المشانق؟
طبعا كنا ومن الاعماق نتمنى لو ان سوريا انتهزت فرصة «تشتت» قوى الجيش الاسرائيلي المنهكة وانشغال معظم قواتها في مواجهة المقاومة اللبنانية البطلة وقامت بتحرير الجولان بدل ان «تطمئن» الى رسائل اسرائيل العلنية والخفية من انها « اسرائيل» غير معنية بالمواجهة مع سوريا وان حربها هي فقط ضد حزب الله .
وكنا نتمنى لو ان سوريا اغتنمت اللحظة اللبنانية المجيدة هذه وفتحت صفحة جديدة مع الشعب اللبناني وحكومته واخذت مسافة واحدة من كل القوى فيه وابدت استعدادها للتعامل مع الجميع على قاعدة شعبية في بلدين مستقلين سياديين بدل فتح لبنان على المجهول، مجهول الاصطفافات والاتهامات والتخوين ، ومجهول الفسيسفاء الطائفية والمذهبية والجغرافية .
الفرصة لم تفت بعد واعادة قراءة المشهد الاقليمي وبخاصة في فصله اللبناني تحديدا تشكل المدخل الاسلم والاقصر لتجنيب لبنان اكلاف وتداعيات سياسات المحاور والاصطفافات وخصوصا ان المعركة السياسية والدبلوماسية لم تنته بعد بل هي بدأت ولا احد بمقدوره التكهن بالمدى والتداعيات التي ستذهب اليها .