خلع العرب العمامة لصالح الطربوش، وإن احتفظت المؤسسات الدينية التقليدية بالعواصم الإسلامية بتلك العمامة، وجاء (الأفندية) واستبدلوهما بربطة العنق كإشارة لتقليد أوروبي حضاري، إلا أن أصحاب الخوذات اعتبروا تلك الأزياء تقاليد بالية، أو مواريث مرحلة الانحطاط فجاءوا ب (الكاكي) ومعه (البساطير) التي داست على تطلعات الأمة العربية، فكانت مسميات الخفير، والمشير، والمهيب، والعقيد، وغيرها تصعد إلى قصور الرئاسة بحراسة المارشات، ودق الطبول وتهييج الجماهير نحو الثورة الكبرى، ومعالم السقوط جاءت من الصدامات العسكرية مع اسرائيل، والمفترض أن يكون القادة المحترفون هم الذين يخططون لنجاحها بدلاً من فشلها، لكن أن يأتي ضابط من الثكنة إلى السلطة العليا فتلك هي المشكلة والمأزق الكبير لكل ما نعانيه حتى اليوم..

لماذا الوطن العربي وحده من يحارب الاستقرار والازدهار، هل هي أزمة أخلاقية، أم رعب من أي بلد ينشأ على النجاح فيأتي من يقصف ظهره بالحروب، أو المآزق الداخلية ليعود إلى حالة الصفر..؟

لبنان كان أفضل بلد عربي مزدهر، ولأنه ساحة عمل لكل المتنافسين فقد دفع ثمن عدم روابطه الداخلية بأن جاء الدمار من داخله لصالح قوى خارجية، ولا زال ينزف لأنه من غير المسموح له أن يكون منارة بين جوار مظلم، أو حاقد عليه، وجهة تحاول جعله قفصاً تحبس فيه الأفكار لصالح الطائفة..

جاء صدام حسين ففجر الحرب مع إيران ليستنزف أموال الطفرة النفطية الأولى للخليج بمزاعم حراسته للبوابة الشرقية، ثم مع غرور هزيمته لإيران ذهب ليحتل الكويت ليضم الفرع للأصل، والحصيلة خسارة فرصة تنمية شاملة لتلك الدول، واحتلال للعراق ومعالم حرب أهلية تجره للخراب..

ثم حاول القذافي في غزو تونس باسم وحدة المغرب العربي، والتي ازدهرت بدون موارد نفطية، وإنما بجهود شعبها واستثماره لإمكاناته الداخلية، وجعله بوابة هامة في توجهه للسياحة الأوروبية والتي أصبحت جزءاً من مهنة متطورة، وعائداً هاماً، لتسبق أصحاب الموارد الدائمة والذاهبة إلى الجنون السياسي..

الآن أصبح مفهوم التنمية الوطنية قتلاً لأحلام الثوريين، سواء من مخلفات اليسار وبطموح من جاءوا مع البيان الأول التي احتلت دباباتهم الإذاعة، أو الذين ركبوا مطية الدين ليكون وسيلة إشاعة البطولات، والدعوات إلى تسيير الجيوش، وقطع النفط، وتحرير المقدسات وكل ما يملكون من أسلحة صرفوا عليها مواردهم هي رهينة المصنعين في أوروبا أو روسيا..

لا يوجد أمة تُغتال ثرواتها البشرية والمادية مثل الأمة العربية، فمن عطايا الولاة للشعراء المدَّاحين، إلى أزلام الصحافة والهتَّافين، إلى المنافقين الذين احترفوا مهنة التضليل أصبح هذا الوطن قيد التخلف، ولم يكن أحد يعلم أن ممارسات الحروب واستيلاء الإرهابيين تنموان في هذا الوطن، بدلاً من قراءات يومية لأسعار سوق المنتجات والتصدير، ونمو موارد الشركات وبروز طاقات بشرية تغذي مثل هذه الطموحات دون أن تنتظرها سيف الجلاد، أو سوط (الجنرال) المفوض أومن يفسر العالم من خلال كفرهم، وإيمانه وطائفته..

مجانين هذه الأمة لا بد من وضعهم في مصحات نفسية، وإلا فكلنا سندخل مستشفيات المجانين، أو نكرر زيارتنا لمصحات نفسية مستديمة كمرضى للعالم المعاصر..