الحرب الإسرائيلية الأخيرة ضد لبنان كشفت مدي تردي الوضع العربي وحالة التشرذم الكبيرة, وبعدما صمتت المدافع, فوجئ الجميع بأن بعض الأنظمة العربية تحاول أن تعيد اللغة القديمة التي تجاوزها الزمن ولم تحقق للأمة لا نهضة, ولا تحريرا للأرض, بل تبديد للطاقات في معارك وهمية. وفي ظل الضغوط الشديدة التي تعرضت لها بعض الدول فإن خطابها الرسمي حاول بلغة انفعالية أن يختطف نصر المقاومة لمصلحته, بينما الوقائع علي الأرض لا تؤيد هذه المزاعم.
ويدرك العقلاء في الأمة العربية أن اللحظة الراهنة تتطلب من الساسة في المنطقة أن يرتقوا إلي مصاف رجال الدولة, وأن يستعيدوا حكمة رجال نصر أكتوبر1973 ورفقة السلاح التي جمعت ما بين مصر وسوريا, وهذه اللحظة تتطلب احتضان الشعب اللبناني وعدم تقسيمه, أو تخوين قسم منه, لأن ذلك يفجر لبنان من الداخل بعدما عجز الاحتلال والعدوان الإسرائيلي عن ذلك مرات عدة.
إن المسئولية القومية تتطلب الحفاظ علي وحدة لبنان: مقاومة وحكومة, وذلك بعدما رأيناه من وحدة وطنية رائعة ما بين أطياف الحياة السياسية اللبنانية, وبدلا من التركيز علي تضميد الجراح اللبنانية وإعادة إعمار ما تهدم, ودراسة الأداء العربي في الأزمة الأخيرة من أجل تحسينه والارتقاء به, عوضا عن ذلك بدأت حرب أشد ضراوة لتصفية الحسابات, والبحث عن أدوار في ساحات الكلام, وأثار ذلك دهشة الكثيرين لأنه من الصعب استبدال السياسة بالكلام, لأن الأصل أن يعبر الكلام عن سياسة رصينة لا تحركها الضغوط ولا الانفعالات العارضة.
وكثيرون في العالم العربي يتفقون مع المقولة السورية: من لم يختبر الحرب لا يحق أن يكون معلما ومرشد سلام, وأغلب الظن أن البعض علي المسرح السياسي السوري لا يؤهلهم رصيدهم لأن ينصبوا أنفسهم معلمين ومرشدين, وبالطبع لا يمكن أن يكونوا مرجعا في شئون الحرب والسلام.
وأغلب الظن أن هؤلاء أصحاب أنصاف المواقف لا يمكن لهم أن يجاسروا بالحديث في أمور لم يعرفوها, وإذا ما فعلوا فإنها ستكون سقطة لرجل السياسة, إذ كيف يمكن لهؤلاء أن يعطوا الدروس في وجود السيد حسن نصر الله, ورجال أكتوبر الخالدة, وأبطال الحرب والسلام في العالم العربي الذين يتحدث عنهم تاريخهم وبطولاتهم.
يبقي أن الأحداث مازالت حبلي بالمزيد من المخاطر والمفاجآت التي تحتاج إلي تضافر جميع عناصر الأمة, ومصر تدرك قبل غيرها أن سوريا عانت ولاتزال تعاني العزلة التي فرضت عليها, ومن ضغوط عدم تحرير الجولان, وتعنت إسرائيل, لذا فإن مصر ستظل دوما وفية لواجباتها القومية في نصرة الدول العربية الشقيقة ومساعدتها, وهي لا تقبل أن تمارس الضغوط علي النظام السوري, بل سوف تستمر في بذل جهودها من أجل عودة الجولان إلي سوريا, وتنشيط عملية السلام لاستعادة الحقوق العربية المشروعة, وكل الأرض العربية المحتلة.