من الثابت أن وقائع التاريخ لشعب من الشعوب ترتبط بالطبيعة مع حقائق الجغرافيا ، ومصر عبر تاريخها كله كانت في قلب جغرافيتها مركز إشعاع بحضاراتها وفي قلب تاريخها درعاً لأمتها وحائط صد رئيسي للطامعين فيها والمعتدين عليها.

وكانت لا تغيب عنها على مدى عهودها التاريخية المختلفة حقيقة أن أمنها الوطني لا يتحقق طالما كان الأمن القومي مهدداً في الوقت الذي كان يدرك أشقاؤها أن أمنهم يصبح مكشوفاً إذا تهدد أمن مصر وأن قوة مصر قوة لهم وأن قوتهم هي قوة لمصر.

لم يغب عنها أبداً لا في عهد الفراعنة ولا في عهد المماليك أن الشام هي خط الدفاع الأول عن مصر وأنه إذا سقطت دمشق أو عكا أو صور تصبح القاهرة عرضة للسقوط وأن الطريق إلى القاهرة يمر عبر فلسطين. من هنا كانت كل معارك مصر التاريخية هي في فلسطين دفاعاً عن مصر وفي الشام دفاعاً عن مصر وكانت جيوشها تستعد في القاهرة فور تعرض بغداد لأي خطر

وتتحرك إذا ما تهدد أمن دمشق. لم تكن تنتظر الأعداء الغزاة حتى يصلوا إلى حدودها بل كانت تنقل معارك الدفاع عن مصر وعن الأمة كلها إلى «حطين» وإلي «عين جالوت» في العهد الإسلامي بل تحركت يوماً إلى «قادش» لترد الحيثيين عن الشام ومصر في أقصى العمق التركي في العهد الفرعوني.

ظلت مصر هي القوة الحامية لأرضها وضمانة الأمن الكبرى لشقيقاتها وجوارها الجغرافي من «رمسيس» الفرعوني إلى «قطز» المملوكي إلى «صلاح الدين» الأيوبي إلى عبد الناصر العربي هي عقل وقلب ودرع هذه المنطقة وقوة المواجهة الشجاعة مع إمبراطوريات الغزو القديمة والحديثة لأنها تدرك أن الأمن العربي والإسلامي لا يتجزأ.

وفي الوقت الذي كان فيه إطار الأمن الوطني المصري يرتكز دائماً على الشام في الشمال وعلى الحجاز في الشرق وعلى السودان في الجنوب وعلى ليبيا في الغرب ولأن خطر غزو مصر كان غالباً يأتي من الشام عبر سيناء كانت حساسية مصر السياسة والأمنية عالية تجاه أي تهديد لأمن سوريا أو لبنان أو فلسطين.

وربما يفيدنا كثيراً أن نتذكر ونذكر أن الغزاة المغول في الماضي بعد أن اجتاحوا بغداد واتجهوا إلى دمشق بقيادة تيمورلنك لم ينتظر حاكم مصر المملوكي غير العربي «السلطان» برقوق أن تسقط دمشق بل تحرك عن يقين بأنه إذا سقطت دمشق فإن الزحف المغولي سيأخذ طريقه نحو القاهرة.

كان هذا في الماضي البعيد وفي الأمس القريب كان هناك عديد من المواقف والإشارات التي تعبر عن الرباط الإستراتيجي التاريخي العميق والأمن المتبادل بين مصر ومحيطها العربي وجوارها الإسلامي والأفريقي لكن هذا الرباط كان وما زال له حساسية إستراتيجية وروحية وشعبية خاصة عندما يتعلق الأمر بالحجاز والعراق وسوريا وفلسطين ولبنان في الشمال والشرق.

لقد دخلت مصر العربية بجيشها حرب فلسطين عام 1948 مع عدة جيوش عربية شقيقة لمنع قيام إسرائيل اغتصابا على أرض فلسطين تعبيراً ليس فقط عن الرباط الاستراتيجي بين مصر وفلسطين ولكن أيضاً عن الرباط الروحي قبل أي اعتبار آخر بين فلسطين والعرب والمسلمين.

وربما كانت هذه الحرب الخاسرة التي دخلتها الحكومات العربية في ذلك الوقت بضغط هائل من شعوبها التي لا تنظر بعيون تكتيكية ولا بحسابات سياسية ولا برؤى إستراتيجية ولكن بمشاعرها التلقائية وبقيمها العروبية والإسلامية وفي سعيها الفطري للحفاظ على الشرف العربي والكرامة الإسلامية.

ومن هنا جعلت ثورة 23 يوليو من مصر بعد حرب فلسطين ساحة لاحتضان كل قضية تحررية عربية عادلة وأنتقل الشعب المصري إلى ساحة كل معركة شعبية عربية فانتقلت الشعوب العربية كلها للمساندة في كل معركة مصيرية.

mamdoh77t@hotmail.com