جريحة، متصدعة، مشوشة، قلقة، منقسمة، قبلت إسرائيل بوقف مؤقت لحربها البربرية على لبنان، وانصاعت لقرار مجلس الأمن الأكثر غموضاً والتباساً، أقر مكافأة المعتدي ومجرم الحرب، وبرأ ساحته وغطى على جرائمه، وحمل الضحية كل أوزار الحرب، في ظل مناخ إقليمي ودولي لم «يترك للحق من صاحب أو نصير» سوى القليل ممن لم يفقدوا صحوة الضمير،
أو توهج الإرادة مثل الرئيس الفنزويلي هوجو شافيز، الذي وضع كثيرين من قياداتنا في خانة التقصير والتقاعس والوهن، وأظهر إلى أي مدى بلغت حالة «الرخاوة» الوطنية.. وتركنا نهباً لأعتى موجة تحريض وتدليس واتهام زائف لإسلامنا السمح العقلاني بأنه «إسلام فاشي»...تبت يد قائل هذا اللغو وجز لسانه طالما انه غارق في أحقاده وهوسه وهلاوسه السمعية والبصرية التي تتعيش على دماء الضحايا الأبرياء.
الذين قدم العراق الشقيق منهم أكثر من 100 ألف في حرب ادارة الرئيس الأميركي جورج بوش لنشر «الديمقراطية المجوقلة»، وتقدم فلسطين يومياً عشرات الشهداء في عدوان متصل يرفع شعار «البحث عن شريك» وهو في الحقيقة بحث دؤوب عن عميل يرضخ وينفذ اى املاءات، وبالتالي لا وجود له في أرض «ولود» للمقاومين والمجاهدين.
الآن، وبعد ان سكتت المدافع إلى حين، تعيش إسرائيل مرارة الهزيمة، وتكتب مرثياتها، مثلما فعل موشيه ارينز الوزير السابق في مقال عنونه ب« مرثية الهزيمة الإسرائيلية» ويتصارع أحزابها وقادتها حول قضية: من يتحمل مسؤولية الفشل العسكري في لبنان؟ أو بمعنى آخر، من يتحمل وزر انتصار حزب الله،
بعد ان منى الإسرائيليين بأن الحرب نزهة وستتم إزالة وجود حزب الله من على الأرض خلال أيام، الا ان الواقع جاءت رياحه بما لا تشتهي سفن الأعداء، وطالت أيام الحرب( 34 يوماً) أضيف لها وقت إضافي ( 60 ساعة) قبل بدء الهدنة، كانت إسرائيل تحتاجها للوصول إلى نهر الليطاني، وتطهير الجنوب كله من جيوب المقاومة، في مجازر غير معلنة.
على ان العدو «المنبت» لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى، فلقد تكبد أفدح خسائره دون الاقتراب من الليطاني، واحترقت إحدى مروحياته بطاقمها، ولم يصل بسهولة إلى جثثهم، ودمرت اكثر من 24 دبابة، وقتل وأصيب نحو 180 جندياً وضابطاً في آخر أيام الحرب، مما دفعه إلى تكرار مجازره ضد المدنيين، وإبادة كل أشكال الحياة، بالطريقة التي تليق بأى بربري أو قرصان،
ولم لا فهذا الجيش الإسرائيلي ليس أكثر من سلالة وأحفاد عصابات «الهاجاناه، الارغون، شتيرن» وقتلة الأطفال والنساء في دير ياسين وكفر قاسم، وبحر البقر، وصبرا وشاتيلا وقانا الأولى والثانية، ومروحين، وعكار، وصور وصيدا والقاع.
إسرائيل، مهزومة، منكسرة، متصدعة، نعم، ليس لجهة عديد القتلى من جنودها وضباطها، والمدمر من آلياتها وبوارجها ومروحياتها، بل لجهة المهدر من أمنها وردعها وأسطورة تفوقها العسكري، وهى الأسطورة التي توفر لها النصر المجاني
«نصر بلا حرب» لدرجة ان قادتنا لا يخجلون عندما يقولون «لسنا جاهزين لأي حرب مع إسرائيل» وكأن هذه الحرب هي شفرة الفناء لنا، أو كأن جيوشنا موجودة لمنع المقاومة ولضمان سلام بني صهيون! إسرائيل يمكن ان تهزم، هذا هو الدرس الرئيسي لانتصار المقاومة اللبنانية وعنوانها الأساسي حزب الله، بكل وهجه العروبي القومي الإسلامي العابر لكل أشكال الطائفية والحواجز المصطنعة بين الشيعة والسنة،
وبنصاعة ووضوح رؤاه السياسية غير المنغلقة على «فقه الحيض والنفاس» أو « فقه التكفير» أو فتاوى فقهاء السلطان الذين يبررون تارة موالاة الأعداء، وتارة أخرى تكفير من يقول بالقومية العربية، أو من يهدرون طاقات الأمة في حروب بالوكالة عن أميركا وإسرائيل وهم يرفعون لافتات «الجهاد» أو يفجرون الطائرات!
سؤال الانتصار في جنوب لبنان، يجرنا إلى ساحة الأشواك العربية، ويطرح تحدياً لا مفر منه، لأن المرحلة المقبلة هي الأخطر، من حيث ضراوة الحرب الإعلامية والنفسية التي ستشن على امتنا بهدف «سرقة نصر المقاومة» وطمس عبره من الذاكرة للأبد، أو بمعنى أكثر مباشرة،
ستشن أميركا وإسرائيل ودميهما على أرضنا حرباً شرسة وأشد ضراوة من قصف الصواريخ والقنابل العنقودية، عنوانها «كي الوعي» أي إلحاق أقسى عقاب بكل من دعم أو أيد أو هلل للمقاومة وعزز خيارها،
وجعله يتجرع كؤوس الذل والجوع والتشريد، حتى يصل إلى مرحلة الكفر بالمقاومة والتنكر لها، بل اقتلاع فكرة المقاومة من جذور عقله وخلايا دماغه، وجعله يسبح بحمد «الواقعيين المنبطحين» وبحكمة الذين يتصدرون قوائم الرابحين في سوق النخاسة السياسية.
سرقة انتصار حزب الله، مصلحة أميركية إسرائيلية مشتركة، وبدون «طمس واقتلاع» المقاومة من الأدمغة لن تقوم للشرق الأوسط الجديد قائمة، وستبقى إسرائيل مهددة في وجودها العنصري الاستيطاني الاستعماري، فضلاً عن التهديد الذي يستشعره «الدمى» أو الخانعون.
سرقة انتصار المقاومة، ستكون بأسلحة فاسدة غالباً منها، حديث الافك أو الجهل عن نتائج الحرب والمغامرة غير المحسوبة، دون التنبه لأن الحرب كانت قائمة بدون خطف الجنديين الإسرائيليين، وهذا ما يؤكده كل يوم محللون مقربون من دوائر الاستخبارات والعسكرية الأميركية مثل الصحافي الأميركي سيمور هيرش،
اما الحديث عن سلاح حزب الله، فيكفي التمعن في واقعة احتجاز الإسرائيليين لأكثر من 400 شرطي وعنصر أمن لبناني في ثكنة مرجعيون، في حين سطر 15 مقاوماً ملحمة بنت جبيل واذاقوا إسرائيل كأس الذل مترعة.