في الوقت الذي تزداد فيه الهجمات الإسرائيلية داخل لبنان عمقا، وتنتقل فيه الحرب الأهلية في العراق إلى مرحلة أكثر خطورة لا يمكن توقع ما سيحدث فيها، أثار خبير سابق في وكالة استخبارات الدفاع الأميركية مسألة جديدة ومهمة ومثبطة يجدر الانتباه إليها.

فقد تساءل باتريك لانج، وهو كولونيل متقاعد في الجيش الأميركي، عن الطرف الذي سيكون أكثر تضررا في حال خروج الأوضاع في لبنان أو العراق عن إطار السيطرة، وفي حال اتخاذ الجماعات الشيعية المسلحة في العراق، التي هي حتى الآن لديها تعليمات بترك القوات الأميركية في حال سبيلها، قرارا بالتحرك ضد ال130 ألف جندي أميركي الموجودين في العراق.

مهما كانت قوة جيش أكبر دولة في العالم، فإن لكل جيش نقطة ضعف. ومن ناحية تاريخية، فإن نقطة الضعف تلك ترتكز على الجانب اللوجيستي، هذا الجانب الذي يمثل الذيل الذي يحرك الكلب ويثيره. فابتداء من هانيبال ومرورا بايروين روميل ووصولا إلى روبيرت إي لي وكيم إيل سونج في 1950، كان الجانب اللوجيستي هو نقطة الضعف الدائمة.

إن أكسير الحياة بالنسبة للقوات الأميركية في العراق هو خط الإمداد الرئيسي الذي يبلغ طوله أكثر من 400 ميل والذي يبدأ من الكويت ويمر عبر مناطق جنوب العراق، التي يسيطر عليها الشيعة، وصولا إلى بغداد ثم يتجه إلى مناطق الشمال والغرب.

وبجانب هذا الخط، فإن الشاحنات وناقلات النفط التي يقودها مواطنون من دول العالم الثالث من تركيا وباكستان ودول أخرى تنقل 95 % من الحبوب وطلقات الرصاص التي تستخدمها القوات الأميركية و100 % من الوقود الذي يشغل الدبابات والذي تستهلكه سيارات من طراز هامفي وبرادلي بمعدلات هائلة.

هذا الطريق يمر عبر قلب الجنوب العراقي الشيعي، وهي منطقة يتسلل إليها بشكل يسير للغاية الحرس الثوري الإيراني وتقع تحت نفوذ رجال شيعيين مسلحين بشكل جيد للغاية وشرطة عراقية لا يمكن تمييزها في الغالب عن المسلحين وأحيانا عن أفراد الشعب نفسه.

إن القافلات الأميركية غير المحمية بشكل مناسب معرضة للكمائن ومحاولات التفجير، بل ويمكن عن طريق القنابل التي تطلق من الصواريخ المحمولة يدويا إصابة صهاريج الوقود. وفي مقال كتبه لصحيفة «كريستيان ساينس مونيتور» تساءل لانج عما يمكن أن نفعله في حال قطع خط إمداد كهذا.

فنسبة لا تتعدى 5% من الإمدادات تأتي عن طريق الجو. مع بذل مزيد من الجهد يمكن أن تتضاعف تلك النسبة، أو حتى تزيد إلى ثلاثة أضعاف، بيد أن الجسور الجوية لا يمكنها توفير ما يكفي من الطعام والوقود والمؤن اللازمة لقيام القوات الأميركية بالمهام الموكلة إليها، حتى في حال عدم قيام المسلحون السُنة الموجودون حول بغداد بقصف الطائرات التي تحمل الإمدادات أو تدمير ممرات الطائرات.

هل سيضطر الجيش إلى وقف محاولة إنهاء العنف الطائفي في العراق من أجل أن يُبقي على خطوط الإمداد مفتوحة؟ كم هو عدد القوات والدبابات وسيارات برادلي الحربية والمروحيات التي سنضطر إلى تحويل مسار خدمتها كي تقوم بتلك المهمة؟ وهل الأمر يستحق المشقة؟

هناك نقطة ضعف أخرى في هذا الصدد ألا وهي أن الإمدادات الخاصة بالقوات الأميركية يجب أن تصل أولا للميناء الرئيسي في الكويت عبر سفن يتعين عليها المرور عبر مضيق هرمز أمام ترسانة من الصورايخ الإيرانية المضادة للسفن وزوارق الطوربيد التي تقوم بهجمات انتحارية.

ومن ثم فإنه لا عجب في أن إيران تتعامل بكل احتقار مع الجهود الرامية إلى تقليص طموحها النووي وإلى وقف إرسالها ألوفا من الصواريخ المتوسطة والقصيرة المدى إلى حزب الله في لبنان. لقد دفعتنا إدارة بوش إلى العراق استنادا إلى أنها ستستطيع وضع أسس ديمقراطية في قلب منطقة مشتعلة وإنشاء شرق أوسط أفضل وأكثر سلما وفي النهاية جعل العالم والولايات المتحدة الأميركية أكثر أمناً.

إن القوات المسلحة التي أرسلها الرئيس الأميركي للقيام بتلك المهمة كانت أقل من المفترض بالنصف، وتركت خطوط إمدادها غير محمية من البداية، والآن هي غارقة في مستنقع تزداد حالته سوءاً يوما بعد يوم.. إن الإجراءات الصارمة التي فرضتها أميركا على السنة في العراق والنظام الديمقراطي الذي أقامته هناك قد دفعا الشيعة إلى الانتقام من السُنة الذين كانوا يعيشون في رخاء وحكموا البلاد إبان النظام الدموي لصدام حسين.

والسنة يردون الآن بالطريقة ذاتها، ومن ثم تحولت العاصمة بغداد إلى مسرح قتل أكثر عرضة للعنف الطائفي. نحن الأميركيين نعتقد دائما أن الديمقراطية هي الحل ولكننا نكتشف أن هناك أماكن أخرى وأناسا آخرين تطاردهم ذكريات الماضي التي رأوا فيها الديمقراطية والانتخابات الحرة وهي تزيد الأمور سوءاً. فلنأخذ غزة مثالا، حيث صوت الفلسطينيون لمصلحة حركة حماس كي تكون على قمة السلطة. ولنا أيضا في العراق أسوة.

إن إدارة بوش تحارب طواحين الهواء وترجو المستحيل، وفي النهاية لن يصح إلا الصحيح. وأثناء جولتها ببؤر الصراع في المنطقة أخيرا، قالت وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس إنها ترى في ألسنة اللهيب المتصاعدة في سماء أطلال بيروت مخاضا لمولد شرق أوسط جديد. تصريحها هذا ذكرني بمقولة كانت تزين جدران كلية جوالة الجيش في قاعدة بينينغ في ولاية جورجيا : «الأمل ليس بمنهج طالما لست أنت القسيس».

خدمة «لوس أنجلوس تايمز»

خاص ل«البيان»