بالرغم من عدم ذكر أية إدانة دولية للأعمال الهمجية التي اقترفتها قوات الاحتلال الإسرائيلية في لبنان خلال حربها العدوانية على لبنان في الأسابيع الأربعة الماضية إلا أن القرار الدولي 1701 كان إعلاناً لنصر لبنان الصامد ومقاومته الباسلة وهزيمة لإسرائيل وحلفائها في كل مكان.
إسرائيل التي فشلت في تحقيق أي هدف من أهدافها المعلنة وحتى غير المعلنة وعلى رأس هذه الأهداف كان تدمير القوة الرادعة لحزب الله ودحره إلى شمال نهر الليطاني وإدخال لبنان في صراعات داخلية بين القوى اللبنانية المختلفة لاسيما القوتين الأساسيتين وهما قوى 14 آذار وقوى 8 آذار، وهذا كله لم يتحقق.
المقاومة الإسلامية بقيت قوية واستطاعت أن تصمد ضد أعظم قوة عسكرية في منطقة الشرق الأوسط وأن تلحق بها خسائر فادحة وأن تحطم القوة المعنوية العالية للجيش الإسرائيلي وحكومته وشعبه وأن تلحق الأذى بالمدن والبنى التحتية الإسرائيلية. ولم يحدث في التاريخ منذ إنشاء إسرائيل بقرار دولي عام 1948 أن يفر الإسرائيليون بعشرات الآلاف من المدن الرئيسية إلى مناطق أخرى بعيداً عن مرمى الأهداف المحددة للمقاومة اللبنانية.
ناهيك عن الخسائر المادية والاقتصادية الضخمة والتي تقدر بالمليارات وفقدان الثقة لدى الداخل الإسرائيلي بقدرة دولتهم توفير الحماية لهم وفقدان الثقة من المحيط الخارجي بقدرة إسرائيل (الأسطورية) على الانتصار في كل حرب وبأي وقت. إنها الهزيمة التاريخية والاستراتيجية لإسرائيل والتي سنشهد تداعياتها في الأيام والشهور القادمة.
إنه النصر التاريخي والاستراتيجي على إسرائيل كما قال السيد حسن نصر الله أمين عام حزب الله في لبنان الذي أضاف في خطابه الأخير «لقد خرجنا منتصرين من معركة كانت ستندحر فيها جيوش عربية كبيرة». وليس هناك مبالغة في هذا الإعلان لأن ما تستطيع المقاومة القيام به في حربها ضد جيش نظامي وإن عظمت قدراته لا يستطيع أي جيش تقليدي القيام به.
وهنا نستذكر الحرب الأميركية على العراق في مارس عام 2003 عندما استطاع الجيش الأميركي احتلال كل العراق في غضون أسابيع قليلة بسبب تفوقه العسكري والتقني إضافة إلى فقدان الجيش الوطني العراقي لأسباب الصمود التي تعود إلى طبيعة النظام العراقي السابق.
ولكن ما أن وضعت الحرب أوزارها وأعلنت القيادتان الأميركيتان السياسية والعسكرية انتصارهما على القوات العراقية بدأت المقاومة العراقية مسيرة الاستنزاف ضد قوات الاحتلال الأميركي وتحول العراق من واحة آمنة إلى مستنقع جهنمي يلحق الأذى والضرر بالآلة العسكرية الأميركية وهيبتها ويحرج السياسيين الأميركيين أمام الشعب الأميركي والعالم كله.
وإسرائيل التي كانت لها تجربة مريرة في جنوب لبنان امتدت نحو عشرين سنة استطاعت خلالها المقاومة اللبنانية هزيمتها وطرد جنودها حاولت هذه المرة أن تنتقم لهزيمتها التي توجت عام 2000 وأخطأت الحسابات
وهزمت مرة ثانية وأعلنت قبولها قرار 1701 لإدراكها أن المقاومة الشرسة في الماضي أصبحت أكثر شراسة وتصميماً على النصر واختارت على أثرها الحكومة الإسرائيلية أن تنتقم من الحجر والجسور والطرق والمدنيين الأبرياء إدراكاً منها أن النصر لن يكون حليفها وأن أشباح المقاومة اللبنانية لن يهزموا وكيف يهزمون وهم الحق والحق ينتصر.
لقد بدأت الصراعات داخل المستويين السياسي والعسكري في إسرائيل جراء الإخفاقات التي تبدت في الحرب، وطفا على السطح سؤال إسرائيلي واحد: هل انتصرنا أم هزمنا؟ وقد حاول رئيس الحكومة أيهود أولمرت وزعيم المعارضة بنيامين نتانياهو استخدام أقصى البلاغة لوصف ما حدث،
غير أن كلمة النصر أو الانتصار غابت عن خطابيهما. أما قادة الجيش وزعماء السياسة، فبدا أن لا هم لهم سوى إخفاء حقيقة الخشية من نتائج لجنة التحقيق في مجريات الحرب على لبنان والإخفاقات الناتجة عنها التي لن تمس الحكومة أو القادة الحاليين، وإنما ستصيب من سبقهم أيضاً.
ويرى مراقبون سياسيون إسرائيليون أن الأزمة الداخلية التي تبدت في الحرب هي من الشمول بحيث لا يبالغ من يقول إنه سوف تكون لها نتائج الهزة الأرضية. فالأمر يتعلق بمجتمع وقيادة سياسية وبنية عسكرية لا تستطيع مواجهة أخطار لو كانت أشد من الخطر الذي يمثله حزب الله.
وأنه رغم حماس الإسرائيليين للحرب فإن نتائجها كانت مذهلة. فقد أظهر استطلاع «غلوبوس سميث» أن 52 في المئة من الإسرائيليين يعتقدون أن الجيش لم يفلح في تحقيق أهدافه وأن 58 في المئة يعتقدون بأنه حقق قسطاً يسيراً أو لم يحقق شيئاً من أهدافه. وفقط 3 في المئة من الإسرائيليين يعتقدون أنه حقق أغلب أو كل أهدافه.
وهذا النصر الذي تجسد عسكرياً وسياسياً سيتجسد أيضاً داخلياً في لبنان. لقد بدا واضحاً من أنه بالرغم من وجود بعض الأصوات التي تطالب بضرورة نزع سلاح المقاومة فوراً تنفيذاً للقرار 1701 وقبل وصول الجيش اللبناني وقوات الطوارئ الدولية إلى الجنوب إلا أن غالبية القوى والأطراف اللبنانية الأساسية ترفض الخوض في الأمر في هذه المرحلة وقبل تحقيق الأهداف الوطنية اللبنانية الكاملة بدأ من الإفراج عن الأسرى اللبنانيين وانتهاء في تحرير مزارع شبعا.
والسبب في ذلك يعود إلى حقيقتين واضحتين هما: الولاء إلى الوطن والمقاومة والسيادة الكاملة والوحدة الوطنية؛ أو إدراك بعض الأطراف بقدرة المقاومة وقوتها الشعبية والقتالية وأن ما لم تنجح به إسرائيل والولايات المتحدة بتحقيقه في الحرب المفتوحة لن يستطيع أي طرف لبناني أن يقوم به داخلياً.
والنتيجة في الحالتين أن الحوار الوطني سيكون الملجأ الوحيد لمناقشة مسألة نزع سلاح المقاومة وليس الشارع أو التصريحات الإعلامية. وهذا الأمر يقود إلى أن الوحدة الوطنية والاتفاق على المسائل المصيرية بالحوار هو مصلحة استراتيجية لكل حزب وفصيل وطرف لبناني مهما كبر أو صغر.
إن المرحلة القادمة في لبنان هي مرحلة الحقيقة في بناء أسس الدولة القوية كما وصفها نصر الله وكما يريدها غالبية الشعب اللبناني، وهي أيضاً مرحلة الحقيقة بالنسبة للشعب الفلسطيني والعرب كلهم بعد أن شاهدنا معركة حقيقية واضحة المعالم انتصر فيها لبنان وانهزمت إسرائيل.
والسؤال الآن هو: ماذا بعد هذا الانتصار التاريخي بالنسبة لقضية فلسطين الجوهر والأساس للصراع العربي ـ الإسرائيلي؟ .
كاتب وباحث سياسي
isam997@hotmail.com