في ظرف شهر من الزمن، أثبت الشعب اللبناني بأن خيار المقاومة هو أمر ممكن وقابل للتحقيق، وخلال نفس الفترة من الزمن اثبت شعب المقاومة ان اسطورة الجيش الصهيوني الذي لا يُقهر، أمر مشكوك فيه، وأنه أمر هو أقرب الى الوهم منه الى الحقيقة.
لهذا، ترجمت المقاومة الوطنية اللبنانية، احد أبيات أبي القاسم الشابي في إرادة الحياة، وحوّلت ذاك البيت الأهزوجة، الى واقع وحقيقة.
وقف اطلاق النار بين المقاومة والكيان الاسرائىلي والقرار الأممي 1701، ليس سوى تفصيل الآن، في مجرى التاريخ، الذي غيّرته إرادة الشعب اللبناني حين التفّ حول المقامة ودعمها وضحّى بشهداء يعدون بالعشرات اودت بهم المجازر الاسرائىلية البشعة، وضحّى بالزرع والضرّع والدار، ولكنه أبى ان يفرّط في ارضه للاحتلال.
نعم، لقد اثبت لبنان انه قلعة للثقافة العربية، بعد ان كان يمثّل عاصمة الثقافة العربية، ثقافة عميقة، حملت في الماضي منذ اكثر من قرن من الزمن ثقافة النهوض العربي، وها هي اليوم تنتفض من جديد حاملة لواء ثقافة المقاومة وثقافة التصدي للعدوان وثقافة القصاص التي تناساها العرب طويلا، وهي جزء بمثابة الوتد، يرتكز عليه الوجود العربي اصلا.
كل الأحداث الآن تحوّلت الى تفاصيل، المهم ان اسطورة الخوف سقطت وأسقطت معها سياسة الخنوع والانحناء للاحتلال والمهيمن.
المقاومة اللبنانية اثبتت اليوم، ان الانتصار على اسرائيل ليست لغوا وليس شعرا وليس خيالا ادبيا. فكان ان ارجعت وفي ظرف شهر من الصمود والاستبسال معادلة كنا نظن اننا لن نحيا لرؤياها.
معادلة تقول، ان الذي يسبب الأذى للبناني الآمن في بيته يمكن ان يطاله أذى بنفس الوجع وبنفس العنف.
اسرائيل اليوم، تفطنت أنها على مرمى حجر، ومرمى صاروخ، وان هيمنتها طوال ستين عاما وخرقها للاجواء اللبنانية واقترافها للمجازر ضد ابناء لبنان، لا يمكن ان يتواصل بدون ردع، وقس على ذلك في نقاط عربية أخرى ارّقها الصلف الصهيوني.
المقاومة اللبنانية من خلال صواريخ حزب الله التي طالت مدن فلسطينية 48 (اسرائيل الآن) اعادت الاعتبار الى المعطى الجغرافي السياسي، الذي تغاظى عنه العرب، وهم يحجمون عن الردّ على الهجومات العسكرية الاسرائيلية.
المقاومة اللبنانية بينت هذه المرة، ان المحافظة على الانتصار العسكري امر ممكن وان ما حدث بعد حرب 73 من انتكاسة وردّة، كان بفعل عملية التفافية، عجزت عنها اسرائىل اليوم وعجزت عن تأمينها لها الولايات المتحدة الامريكية الحليف الرئيسي للكيان الصهيوني.
المقاومة اللبنانية، اعادت الاعتبار الى حقيقة التفاوض والمفاوضات بين الطرف المعتدي والطرف المعتدى عليه، بحيث كشفت بأن الذي لا يملك اوراقا على الارض ليس له مكان في المفاوضات، فليس هناك نظرية او حادثة في التاريخ انصفت من يده شاغرة والاخرى لا شيء فيها، وقالت انه نال شيئا من المفاوضات.
هذا هو المشهد البطولي الذي دفع من اجله لبنان ـ الشعب، كل غال ونفيس. وليس أغلى هنا من الانسان، الذي لم يتوان لبنان في الدفع به شهداء وشهيدات من أجل ان يعيش لبنان والعرب لحظة عزّ كالتي نعيشها الآن، ومن اجل ان يرى العالم ذاك الأسى والحزن الذي خيّم امس على وجوه الساسة الاسرائيليين في الكنيست.
النصر للمقاومة ويحق لكل الامة ان تفاخر بهذا النصر الذي مسّ العقلية العربية في التعاطي مع الاحتلال الاسرائىلي، لكن لا يحق للسماسرة وقوى الالتفاف على إرادة الشعب العربي، ان يفاخروا بهذا النصر، فقد فرزت حرب لبنان 2006، كل الخنادق... وانتهى الأمر.