بعد أن توقفت آلة الحرب العدوانية على لبنان وشعبه وانقشعت سحائب الدخان بفعل الصمود البطولي للمقاومة اللبنانية التي تصدت ببسالة نادرة للغرور الاسرائيلي وعنجهيته ولقنته درساً قاسياً في ميدان المنازلة لترغمه على القبول بالهزيمة والانكسار .

واستجداء قرار وقف إطلاق النار من الفاعلين الدوليين بمجلس الأمن الذين ظلوا يماطلون لأكثر من أربعة أسابيع عن إصدار مثل ذلك القرار في انتظار أن تحسم اسرائيل المواجهة لصالحها عسكرياً بما يتيح لها فرض إملاءاتها على الجانب المهزوم دون أن يتصور أحد من أولئك بأن مجريات تلك المعركة ستفضي إلى احتمالات مغايرة لما بنته تصوراتهم وتقديراتهم.

وبعد كل ذلك فلسنا بصدد تقييم تلك المفارقة المخجلة التي عبرت عنها الكثير من المواقف الدولية إزاء ذلك العدوان الهمجي.. لقناعتنا بأن الأهم من ذلك يتمثل في استشعار تلك الأطراف الدولية لانعكاسات تلك الحرب على عملية الأمن والاستقرار في المنطقة، خاصة وأن كل المؤشرات تدل على أن التركيز قد انصب على تقديم التفسيرات والتأويلات لبنود القرار (1701) على النحو الذي يمنح اسرائيل الفرصة لتحقيق انتصار سياسي يعوضها عن الفشل الذي مُنيت به عسكرياً .

دون إدراك لعواقب هذه السياسات التي تتناسى أن ما تعرض له لبنان من دمار وتخريب وتهديم لمنشآته ومرافقه الحيوية والاقتصادية وما سُفك من دم أبنائه لم يكن سوى جزء من الثمن الباهظ الذي تدفعه شعوب هذه المنطقة كضريبة للمواقف الدولية المنحازة إلى جانب اسرائيل التي يريدون لها اليوم أن تخرج منتصرة ولو كان ذلك من نافذة التحريف للقرار رقم (1701) وإفراغه من مضمونه.

إذ أن من المؤسف حقاً أن الدول التي تجاهر في تمترسها وتخندقها وراء اسرائيل التي تكون على الدوام في موقع المعتدي لا المعتدى عليه والظالم لا المظلوم والمفتري لا المفترى عليه انما هي بتلك المواقف تساهم في توسيع البؤرة المولدة لكل أشكال العنف والتطرف وهو ما يتقاطع كلياً مع التوجهات التي تدعو إلى اشاعة مناخات الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان في منطقة الشرق الأوسط.

وحيال ذلك فإن أشد ما نخشاه أن يكون وقف الأعمال الحربية في لبنان كما نص القرار (1701) إيذاناً لاندلاع حروب جديدة تتفاقم فيها مناخات عدم الاستقرار وانهيارات الأمن الاقليمي إذا ما أخذنا بعين الاعتبار التصريحات الأخيرة لبعض قادة اسرائيل الذين توعدوا بردود أفعال غير محسوبة تبدأ بتصفية المقاومة الفلسطينية وملاحقة قادة حزب الله وتنتهي إلى ما هو أوسع من ذلك في إطار خطة ترميم صورة الجيش الاسرائيلي الذي انكسرت شوكته وتبددت تلك الأسطورة التي ظل يحتمي بها تحت ضربات المقاومة اللبنانية.

وبعد كل ما جرى في لبنان من تدمير وقتل ممنهج فإنما هو معول على الدول الكبرى القيام بمسؤولياتها في ايجاد الحل العادل والشامل للصراع العربي الاسرائيلي عن طريق تكريس المعالجات الحقيقية لأسباب المشكلة بتغليب منطق الحق والإنصاف، خاصة بعد أن برهنت وقائع الأحداث الأخيرة في لبنان على أن الخيارات العسكرية لم تعد مجدية وأصبحت نتائجها مكلفة وغير مضمونة وأن البديل الأمثل هو تطبيق قرارات الشرعية الدولية بمعايير غير انتقائية والزام اسرائيل بالقبول باستحقاقات السلام والسير في الطريق الذي يضمن الأمن والاستقرار لجميع شعوب هذه المنطقة.

حيث ومن الأهمية أن تعي تلك القوى النافذة في العالم بأن ترحيل احتقانات الصراع القائم في المنطقة لن يكون في مصلحة أي منها سيما وهي من تربطها بالمنطقة مصالح اقتصادية كبيرة.