مع نهاية الاتحاد السوفييتي، ووصول بوش الأب للبيت الأبيض جاء منظرو المرحلة الى بناء عالم جديد، ومع هذا التوجه بدأت رحلة المفكرين لتعريف ما يعنيه هذا العالم، حيث برزت فكرة نهاية التاريخ، والعولمة.

لكنها شكلت محور سياسة بوش الابن، ولكن هذه المرة وضعت تحت غطاء رسالة انجيلية تتخذ المقدس المسيحي البداية والنهاية، وتضع الوعود الربانية من خلال مسار ما سيحدث في اسرائيل لتتحقق هذه النبوءه.

ولأن الشرق الاوسط، وفق المصطلح السياسي الحديث، منبع الرسالات السماوية وظهور الأنبياء فإن الاحداث التي تجري به من حروب وقلاقل مقدمات لتحقيق تلك النبوءه، والمخيف ان من يدعون بالمحافظين او الانجيليين الجدد، مؤمنون بهذا التصور كحقيقة.

وهو معنى خطير اذا كانت تقوده دولة تملك كل ما يؤهلها ان تقتل كل العالم وترثه بأسلحتها ونفوذها، وينغرس هذا الفكر بالقادة الصانعين للحروب، والمتجهين الى سيادة العالم.

الامام الخميني عندما قام بثورته التاريخية، كان يريد تصديرها كمنهج وفكر بديل للعالم الإسلامي، وان مقدمات كبيرة تضع توحيد هذا العالم تحت مظلة الامام المنتظر، هي ذات الرسالة، لولا انفجار الحرب العراقية الايرانية التي ابرزت ان هذه الفكرة تصطدم بحقائق مختلفة.

لكن اسامة بن لادن كان اكثر تطوراً في مشروع وحدة العالم الإسلامي، حين ضربت الطائرات المحملة بالبشر، وليس القنابل البرجين في نيويورك، والبنتاجون، وهي الهزة الاكبر، لأن معتقد قائد القاعدة انه لا يمكن تحقيق الهدف الاكبر، الا بزوال العدو الاميركي الاكبر وحلم مثل هذه الامبراطوريات لا تحسمه القوة، ولا الافكار المتطرفة اياً كان مصدرها وقوة نفوذها، لأن العالم يعيش معادلات غير هذا الهاجس.

هنا برزت على الخط الآخر اسئلة هل العالم يعيش صراع حضارات ام نزاعات دينية ام ان سقوط الشيوعية خلق فراغاً في ثنائية القوة، وان كلاً يدعي قدرته على ملء ذلك الفراغ، لنعيش رحلة اعادة هيكلة العالم وفق شكل جديد من ادعاءات، هي خارج المكان والزمان؟.

هذا الافتراض يطرح سؤالاً، لماذا يلغى دور أوروبا التي تريد لوحدتها أن تكون بعيدة عن الكنيسة، اي علمانية تعطي لحرية الفرد والمجتمع الدور الاساسي في الخارطة السياسية والثقافية.

ثم لماذا تُنسى قارتا آسيا وأفريقيا، وتهمل أميركا اللاتينية، وهي شعوب لا ترتهن الى الافكار المطروحة، الا بمن يعيش هاجس البحث عن هوية كالمتطرفين في كل المجتمعات والأديان؟.

واذا كانت المؤهلات الجديدة تطرح الصين والهند كقوتين قادمتين ليس فقط في مدارهما الجغرافي، لتحدثا تغييرا في ميدان اللعبة القديمة، فإن البرازيل قطب ثالث قد يتحرك على مساحته محدثاً نفس التغيير.

لكن هاجس الامبراطوريات ربما لا يغيب اذا ما افترضنا ان محركات القوة بهيمنة اقتصادية يتلوها هيمنة عسكرية وثقافية، غير ان هذا الافتراض تعترضه مصالح هذه القوى، فهل نشهد عالماً من التطور الايجابي، أم فوضى بلا حدود؟.