بينما تبدو الخيبة العسكرية الصهيونية ثقيلة، والفضيحة الأخلاقية الأميركية والإسرائيلية مدوية، وشبح الهزيمة العسكرية والإخفاقات السياسية يطارد القادة العسكريين والمسؤولين السياسيين وبينما أصبح الجيش الجبار الذي لا يقهر أمام الدنيا كلها رغم كل الدمار الذي ألحق بالمدنيين الأبرياء مقهوراً وموصوماً بكل دواعي العار.
وبينما بدأ يتكشف للرأي العام الإسرائيلي على مدى شهر من الخسائر والجرائم والفشل المهين على أي مقياس عسكري.. وينفضح أمام الرأي العام المخدوع أن سياسييه محدودي الذكاء ضحكت عليهم واشنطن لتورط جيشهم في هذه المحرقة الجديدة للحرب نيابة عنها لتنفيذ مخططها التدميري في المنطقة بعد فشلها العسكري والسياسي في العراق.
وأن عسكرييه محدودي الكفائة الذين أضاعوا شرفهم العسكري بما أرتكبوه من جرائم أفزعت الضمير الإنساني العالمي وفاقت ما عاناه اليهود على يد النازيين والفاشيين وسقوط أسطورتهم الوهمية بعد فشلهم في القضاء على مقاومة حزب واحد وحيد والوقوع في شر أعمالهم سقطوا في قاع بئر المقاومة السحيق حينما بدأ حربه العبثية المجنونة لتبييض ماء وجوههم.
ذلك السقوط الذي بدا واضحاً للعالم كله حتى بعد صدور القرار الدولي الأعور 1701 الذي جاء كمخرج لها من الورطة التي أوقعتها الإدارة الأميركية فيها، وطوق نجاة لإنقاذ جيشها من الغرق في المستنقع اللبناني، في محاولة أميركية فاشلة للنجاة من الغرق في المستنقع العراقي، وبعد أن حاول السياسيون الصهاينة تحقيق إنجاز ما على الأرض قبل سريان تنفيذ وقف الأعمال الحربية،
يشفع لهم أمام الرأي العام عندما تحين ساعة حسابهم أمام لجان التحقيق التي بدأت مطالبته بعقدها لمحاسبتها على فشلهم في تحقيق الأهداف العالية السقف التي أعلنوها لتبرير حربهم العدوانية، ولكذبهم المتكرر بأنهم دمروا قدرات المقاومة لتأمينهم
ففضحتهم صواريخ حزب الله التي انهمرت بكثافة أكبر على مدنهم ومستعمراتهم وعلى مواقعهم العسكرية فأقدم «أولمرت» الذي يفتقد إلى حسن تقدير الموقف السياسي على إصدار تعليماته إلى «عمير» وزير حربه غير العسكري والذي يفتقر إلى حسن تقدير الموقف العسكري،
بتوسيع العمليات العسكرية البرية في محاولة لتوسيع رقعة تواجد جيشه المهزوم على أكبر رقعة ممكنة من الجنوب اللبناني حتى الليطاني، ليكون ذلك أيضاً ورقة مساومة سياسية، ووسيلة ضغط لتنفي مطالب إسرائيلية من الحكومة اللبنانية.
لقد جاء هذا القرار الإسرائيلي الغبي بخسائر عسكرية مضاعفة على يد رجال حزب الله الذين وجدوا في الدبابات الإسرائيلية التي تورطت بالتدخل، وفي الأعداد المتزايدة من العساكر الصهاينة صيداً أكثر سهولة بالقرب من مدى أسلحتهم
واضطر هؤلاء العساكر المحبطين إلى الاشتباك المباشر مع رجال أشداء سلاحهم الإيمان والشجاعة والبسالة، لأنهم حرصوا على الاستشهاد في سبيل الله، فوهبهم الله سر الحياة والنصر، فأنزلوا الموت والهزيمة بأعدائهم الجبناء بعد أن دمروا العشرات من دباباتهم وقتلوا وأصابوا المئات من جنودهم.
وهكذا مع توسيع العمليات العسكرية الصهيونية ضد المقاومة اللبنانية اتسعت دائرة الورطة السياسية واتسع حجم المأزق العسكري بحيث بدا القرار السياسي الصهيوني غير السياسي، والأمر العسكري غير العسكري قراراً بالهروب من النار إلى الجحيم ومن الهزيمة إلى الهزائم!
وهكذا .. وبينما تبدو الخيبة الإسرائيلية ثقيلة وتلوح في الأفق الصهيوني أشباح الهزيمة المهينة، طبقاً لما تعكسه الصحافة العبرية، نجد أن أولمرت نفسه بين المطرقة والسندان، مطرقة حزب الله اللبناني وسندان الأحزاب الإسرائيلية، ويجد «عمير» نفسه أيضاً في مأزق من نوع آخر، بين مطرقة السياسيين وبين هزائم العسكريين.
وبينما خرجت مظاهرات اليسار الصهيوني تحت ضربات صواريخ حزب الله تدعو إلى وقف الحرب العدوانية الفاشلة إنقاذاً للمزيد من الضحايا والقتلى الإسرائيليين العسكريين والمدنيين في ظل دعوات المهزومين المكابرين من اليمين الصهيوني لمواصلة الحرب العدوانية القاتلة في محاولة يائسة لإنقاذ الأسطورة العسكرية الصهيونية المتهاوية،
ولاستعادة صورة الهيبة السياسية المتآكلة، تزداد من الجانبين الضغوط والاتهامات على المسؤولين السياسيين الموروطين وعلى الجنرالات العسكريين الفاشلين وتتصاعد صيحات الرأي العام الإسرائيلي لمطالبة حكومة «أولمرت» بالاستقالة وقيادة عمير بالمحاسبة.
في الوقت الذي يبدو فيه الإسرائيليون جميعاً في اليسار أو في اليمين يشعرون بالخيبة الثقيلة، ويدفعون من أمنهم ودمائهم وأموالهم ثمن فشل سياستهم وهزائم جنرالاتهم الذين يحاولون يائسين الهروب من الهزيمة فيجدون أنفسهم قد سقطوا في الهزائم.
mamdoh77t@hotmail.com