طرحت الحرب الإسرائيلية اللبنانية أو «الحرب السادسة» بين العرب والإسرائيليين ـ وان لم يكن للعرب غير اللبنانيين دور يذكر فيها ـ الكثير من التساؤلات وفتحت العديد من الملفات المحلية والعربية التي بقيت طويلا ممنوعة من الفتح أو مؤجلة في أحسن الأحوال، على صعيد الصراع العربي الإسرائيلي من ناحية وعلى صعيد العلاقات العربية ـ العربية من ناحية أخرى، مما ستكون له دون شك آثار ونتائج عميقة على بعض الأنظمة والأقطار العربية.
فقد كشفت هذه الحرب الكثير من المواقف والأطراف وعرت أصحابها الذين لا شك أنهم فوجئوا بنتائجها المذلة لإسرائيل وجيشها الذي «لا يقهر»! وربما شملت المفاجأة المقاومة اللبنانية نفسها، على الرغم من ثقتها الواضحة بالنصر منذ البداية. لكننا ـ هنا ـ لن نأخذ برأي المقاومة ولا برأي الدولة اللبنانية حول نتائج الحرب وخاتمتها، وإنما سنترك الحكم، هذه المرة، للإسرائيليين أنفسهم.
فقد أكد مسؤول إسرائيلي، رفض كشف اسمه، لإحدى وكالات الأنباء أن «إسرائيل لم تشترط وقف إطلاق النار بإطلاق سراح الجنديين بشكل فوري لأنها رأت في هذا خطرا كبيرا على حياة الكثير من الجنود في حال استمرار القتال»، بينما ذهب رئيس الأركان الإسرائيلي دان حالوتس إلى ابعد من ذلك حين صرح لوسائل إعلامهم بأن «الجيش الإسرائيلي لم يكن بمقدوره خوض المواجهة مع حزب الله».
أما صحيفة «يديعوت احرونوت» الإسرائيلية فقد لخصت الهزيمة في عددها الصادر يوم الأحد الماضي (13/8) بالقول: «الأكيد أننا لم ننتصر». ولعل مشهد وزيرة الخارجية الإسرائيلية وهي متشحة بالسواد تغالب دموعها أثناء مؤتمر صحافي لإعلان قبول إسرائيل بقرار وقف إطلاق النار، فيه من الدلالات ما يغني عن أي تعبير أو تأويل.
لكن الانتصار الأكبر بكل تأكيد الذي حققه لبنان، شعبا ومقاومة ودولة، هو هذا التلاحم الشعبي الذي فاق كل التصورات والتوقعات، وهذه الوحدة الوطنية المسؤولة التي عبرت عنها والتزمت بها الأطراف السياسية اللبنانية كافة بمختلف توجهاتها وانتماءاتها، رغم كل الخلافات والتجاذبات التي سبقت الحرب وكادت أن تؤدي إلى «حرب أخرى» أو فتنة داخلية ربما كان البعض يريدها بديلا لتورط إسرائيلي مباشر، قبل أن يستفز الغرور إسرائيل وتقدم على حربها المجنونة!
غير أن انتصار لبنان في حربه الميدانية ومعركته المعنوية والسياسية يرتب عليه واجبا وطنيا وإنسانيا، تجاه نفسه أولا وتجاه هذه الأمة التي انتشلها من ذل الهزيمة والانكسار ووفاء لدماء الشهداء والمصابين وعذابات المهجرين واعترافا بجميل ونبل إخوانهم اللبنانيين الذين استقبلوهم واحتضنوهم في مختلف مناطق لبنان ومن كل فئاته،
وهذا الواجب يقتضي أن يستثمر لبنان هذا الرصيد الكبير من الوحدة الوطنية في إعادة البناء وتضميد الجراح وتجاوز كل سلبيات الحقبة السابقة وخلافاتها، أو تأجيل هذه الخلافات على أقل تقدير. فذلك اقل ما تستحقه هذه الوقفة الوطنية الشامخة وهذا النصر الكبير الذي هو «صناعة لبنانية» خالصة بامتياز وببراءة اختراع للبنان لا يمكن لأي عاقل أو منصف من غير اللبنانيين أن يدعيها أو يقلل من شأنها.
فقد اثبت اللبنانيون في مواجهتهم للعدوان الإسرائيلي الهمجي، رغم التضحيات الكبيرة وحجم الدمار الهائل، أن أرضية التوافق والوحدة بين اللبنانيين أوسع وأعمق مما ظنها البعض أو أراد لها أن تكون، وعلى هذه الأرضية الصلبة يجب أن تستعيد مؤسسات الدولة اللبنانية، كل المؤسسات، قوتها وقدرتها على الفعل والحركة في موازاة إعادة البناء والإعمار، وفق رؤية وطنية شاملة ومتكاملة وبعيدا عن أي مزايدات حزبية أو فئوية.
أما الأصوات النشاز و«المرجفون في المدينة» وفي الأمة من مدمني الذل ومستطعمي الهوان، سواء من الداخل اللبناني أو في أي موقع جغرافي أو الكتروني آخر، فهؤلاء موجودون في كل مكان وزمان، لكن وجودهم ليس أكثر من استثناء يؤكد القاعدة الشعبية العامة والعارمة التي عبرت عن نفسها عربيا وعالميا بالمظاهرات والمسيرات المنددة بالعدوان،
وهي مرشحة في المستقبل، غير البعيد ربما، للتعبير أكثر من ذلك وربما بوسائل أخرى غير التي ظهرت بها الآن. أما أولئك الذين يصرون على الاستمرار في الإفك واستيلاده قسريا باستنتاجات خاطئة أحيانا وكاذبة في معظم الأحيان من خلال أحاديثهم التحريضية عن الطائفية والمذهبية، فيكفينا منهم أن يوضحوا لنا إلى أي طائفة لبنانية أو مذهب إسلامي ينتمي الرئيس الفنزويلي هوغو شافيز!