طرح مجدداً اقتراح حل السلطة الفلسطينية على لسان رئيس الوزراء الفلسطيني اسماعيل هنية بعد ان كان الاقتراح مجرد فكرة سبق وطرحتها في مقالات عدة احدها على البيان وعبر الفضائيات اثر اقتحام سجن اربي واعتقال زعيم الجبهة الشعبية احمد سعدات ورفاقه واذلال رجال الأمن الفلسطينيين وتعريتهم تحت عدسات الكاميرات الفضائية في بث مباشر «لستر بيتيز عسكري».

واشرت في حينه الى ان هذا الستر بيتيز العسكري جاء نتيجة للستر بيتيز السياسي على مستوى القيادات الفلسطينية وعجزها وفشلها في قيادة شعبها وأجندتها وعندما طرحت اقتراح حل السلطة قبل شهور، عارض ذلك الداعون اليه اليوم، ومن بينهم الدكتور عزيز الدويك رئيس المجلس التشريعي المعتقل الآن الذي رد في حينه بقوله ان الاقتراح مرفوض

وقال آخرون من قادة حماس مبررين رفضهم حل السلطة إنه عندما وصلوا الى السلطة جاء من يطالب بحلها وكأن الهدف في نظرهم سلبهم السلطة وليس حلها لأنها لم تعد تباشر اية صلاحية من صلاحياتها وصارت غطاء لقمع الاحتلال وممارساته اليومية ضد الشعب الفلسطيني.

الاسرائيليون يحملون السلطة حالياً مسؤولية أية عملية مقاومة ويطالبونها بوقف ما يسمونه بالارهاب وينجحون اعلامياً في تسويق ذلك لأن كثيراً من الحكومات والدول والشعوب تعتقد أن السلطة قائمة وكأنها دولة. فيما هي باتت سلطة رمزية وهيكلا من ورق لا يمارس أيا من صلاحياته على الأرض. وبالتالي باتت شماعة يعلق عليها الاحتلال اتهاماته ويستر به ممارساته اليومية.

وكنت في سنوات سابقة أي في السنة الأولى للانتفاضة اقترحت على الرئيس الراحل ياسر عرفات قبل حصاره ان يغادر إلى الخارج ويعلن حل السلطة والعودة إلى إطار منظمة التحرير كقائد للنضال الفلسطيني، لكنه قال في حينه ان الأمين لا يخذل أهله ولا يتركهم..

فإنه صاحب مشروع مقاوم وسيواصل قيادة شعبه، وكان الإسرائيليون بحثوا مسألة تدمير السلطة في مطلع الانتفاضة ودرسوا سلبياتها وايجابياتها ووجدوا ان تدميرها سيعيد القضية إلى المربع الأول وسيضطرون إلى إعادة الإدارة المدنية لكي تسير أمور الناس وتشرف على التربية والصحة والتعليم ومناحي الحياة الأخرى وإيجاد فرص عمل.. الخ.

وفقا للاتفاقات الدولية وخاصة جنيف وهذا يكلفها مليارات الدولارات سنويا وينزع صفة الإرهاب عن النضال الفلسطيني وارتأى الإسرائيليون بدلا من ذلك تقليص صلاحيات السلطة وحصرها في إيجاد مصادر تمويل لصرف الرواتب والتكفل بشؤون الصحة والتعليم دون ممارسة أية صلاحيات على الأرض. ولكن السلطة منذ بداية هذا العام لم تعد حتى تمارس ما أتيح لها،

فهي لا تدفع رواتب ولا تستطيع الصرف على الجهازين الصحي والتعليمي وبالتالي فقدت مبرر وجودها، لكن الرئيس أبومازن الذي هدد قبل شهرين بحل السلطة كان يقول رداً على اقتراح حل السلطة بأنه صاحب مشروع مفاوض، لكن لا توجد مفاوضات فالرفض لحجة وجود مشروع مقاوم يمكن فهمه

لكن الرفض بحجة وجود مشروع مفاوض لا يمكن تفهمه في ظل غياب أي نوع من المفاوضات، فالإسرائيليون عمليا ليس لديهم أية نية تفاوضية وكل ما لديهم هو خطة ايهود أولمرت أي الانسحاب الأحادي من الضفة وترسيم الحدود التي يريدونها سواء وافق الفلسطينيون تفاوضيا أو رفضوا.

إذاً ليست هناك مفاوضات لأن المشروع الإسرائيلي سينفذ مدى كانت الظروف، وليس هناك رغبة إسرائيلية أو أميركية في العودة إلى التفاوض وفقاً لخارطة الطريق، وكانت الولايات المتحدة وإسرائيل أقنعت بعض الدول العربية وحتى القيادة الفلسطينية وأوروبا بأن الانسحاب الأحادي من غزة هو جزء من خارطة الطريق ولم يستمع أحد إلى حقيقة

أكدها مستشارو آرييل شارون آنذاك بأن خطة الانسحاب الأحادي إنما وضعت لنسف خارطة الطريق ولكن حالة الضعف العربي وهرولة بعض مراكز القوى الفلسطينية نحو وراثة الاحتلال وتركته في غزة لاستثمار الدفيئيات الزراعية والسيطرة التجارية على المعابر.. إلخ، أعمت أبصار الجميع وكانت النتيجة هي التي آل إليها قطاع غزة حالياً.

طرح اقتراح حل السلطة حالياً من قبل حركة حماس جاء نتيجة فشلها في تسيير أمور الحكومة واصطدامها بحصار دولي ظالم.. ولكنه اقتراح متأخر وجاء لأسباب خاصة بحكومة حماس نفسها، لأن قطاع غزة غير محتل عملياً، فكيف يمكن حل السلطة فيه أو استدعاء الاحتلال لينشر قواته في المحميات والمدن ويعيد إقامة إدارة مدنية.

أما الضفة، فهي محتلة عملياً ولا تمارس أية صلاحية.. ولعل المراقب يرى أن الحكومة تكتفي بخطبة الجمعة لمداواة الجرح الفلسطيني، فيما الرئيس غاب في الأردن واليمن والسودان وتونس لأنه لم يعد يملك أجوبة عن التساؤلات الداخلية.

فحماس تؤجل موضوع إقامة وحدة وطنية لإنقاذ الوضع إلى ما بعد انتهاء حرب لبنان، فيما الواقع يفرض المبادرة إلى تطبيق ما اتفق عليه في وثيقة الأسرى فوراً لاجتياز الأزمة الداخلية ومواجهة التحديات الإسرائيلية والعدوان المستمر.

وكأن حماس تنتظر نتائج الحرب في لبنان لتعلن موقفها سلباً أو إيجاباً. فيما يشدِّد الإسرائيليون من حربهم لإلحاق الهزيمة بحزب الله حتى لا ينعكس انتصاره على الساحة الفلسطينية ولعل حماس ترى ان حسم الحرب في لبنان لصالح إسرائيل سياسياً أو عسكرياً سيؤدي إلى سحقها عسكريا وسياسياً في وقت لاحق باعتبارها حليفة لحزب الله.

وبالتالي فإن الدعوة لحل السلطة الآن هو هروب إلى الامام وليس محاولة لقلب الأوضاع، فيما المعارضة في صفوف فتح لهذه الفكرة تنبع أساساً من القيادة الفتحاوية أي الجيل المتقدم سناً والمتأخر سياسياً لان هذه الشريحة ستفقد شرعيتها،

فحل السلطة يعني العودة إلى المقاومة بجيل شاب كافحت قيادة فتح على مدى عشر سنوات لإبعاده عن مركز القرار، وكذلك لان اطار منظمة التحرير هو بالمقياس السياسي لم يعد قائماً، نظراً لان يد التغيير لم تمتد إلى هياكل منظمة التحرير وهو بالتالي اطار غير فاعل ولا يمكن تفعيله بالشخوص والفصائل نفسها لأنها فقدت قدراتها على الأداة والقيادة.

الانموذج القتالي والتنظيمي الذي أكده حزب الله في لبنان بات مبعث اعجاب لدى عامة الفلسطينيين وبدد أي أوهام في امكانية تحقيق أي انجازات قتالية أو تفاوضية في ظل فوضى الفصائل وتشرذمها وغياب عقيدة النضال وبالتالي فإن الساحة الفلسطينية باتت مؤهلة لتغييرات جذرية سواء تم حل السلطة أم لا، فالدروس المستقاة من الحالة اللبنانية جديرة بالاهتمام والدراسة.

رئيس تحرير «الحياة الجديدة» فلسطين