كانت مدينة العلماء والفلاحين تعلم أنها أجمل من أن يترك فيها الإسرائيليون حجراً على حجر، كانت النبطية تعرف أن مغول العصر سيحاولون الفتك بأهلها بعدما استباحوا شقيقتها بنت جبيل. ودّع الشباب والرجال أمهاتهم ونساءهم وخرجوا إلى التلال والثغور، ظلّ صدى صوتهم واحداً تلو الآخر يتردد بطلب الرضا من أمهاتهم قبل الرحيل، كان الجميع يعلم أنه ربما يكون الوداع الأخير.

خرجوا عند آذان المغرب مع بدء تسرّب دموع الأمهات إلى وجناتهم، وقبل وصول الغزاة إلى المدينة. خرجوا لنصرة أهل القرى الصامدة حولهم، لنصرة قعقعية الجسر، وكفرمان وحبوش وحاروف وزبدين، لم يكن شباب النبطية ليبقوا فيها بلا حراك فيما مغول القرن ال21 يدكون القرى.

صادق نهر الليطاني مدينة النبطية منذ ما قبل التوراة ويعرفها مثل ما تعرفها الينابيع على تلالها: هذه مدينة لا يخذلها رجالها. النبطية، صديقة النهر، بقيت مع نسائها وأطفالها تدعو للرجال بالنصر. جنّ جنون الإسرائيليين ليصلوا إلى النهر، لكنه ظلّ عاصياً عليهم، لم يصلوا حتى إلى نبع واحد. كان دعاء الأمهات نصيراً حاسماً للرجال في مواجهة أشرس آلة عسكرية في الشرق.

جاء الانتقام الإسرائيلي إلى المكان الأسهل، إلى الخاصرة الرخوة، إلى حيث يتألم الرجال أكثر ما يتألمون، إلى أطفالهم ونسائهم وأمهاتهم. تنتقم إسرائيل أول ما تنتقم بقتل الأحلام، بفقء عيون الرضّع، بسحق رؤوس الصغار، بوأد الأمهات والأطفال معاً، بخنق كل نفس عربي تستطيع خنقه. كانوا في الطبقات السفلى، في الأقبية وفي ما ندر من ملاجئ، تمكنوا من الاحتماء فيها،

لم يرحم الإسرائيليون أحداً، قصفوا كل بيت، شاهدوا فيه حركة وكل بيت لم يكن فيه أحد يتحرك. تكررت سيمفونية الموت مرات ومرات: صوت الطائرة، دوي الانفجار، هول الدمار، الركام، الصمت الثقيل، الأنين ثم الموت، وثم الموت.

لم يستطع أحد أن ينقذ أحداً، من وصل إلى مكان الغارة لم يتمكن من رفع الحطام، ومن رفع الحطام لم يستطع انتشال أحد، ومن انتشل أحداً عادت الطائرة سريعاً لتقتلهما معاً. قطعوا الجسور والنور والماء والدواء والغذاء. كان المهم أن يموت أهل النبطية مثل كل أهل الجنوب، لم يعد مهماً بأي طريقة يموتون، من لم يمت بالغارة سيموت جوعاً أو مرضاً أو عطشاً. هكذا ينفذ الجيش الإسرائيلي تعليماته بدقة.

كان الموت يحوم حول ملجأ السرايا. هناك، تحت مبنى السرايا الحكومي في النبطية، كان الأطفال والنساء قد صمدوا أكثر من 15 يوماً إلى أن بدأت تنفد المؤن القليلة التي كانت معهم. لم يبق معهم سوى الإيمان والدعاء والأمل بنجدة تأتيهم من قريب أو من بعيد.

من ملجأ السرايا جاء النداء إلى دولة الإمارات العربية المتحدة. جاء صوت سلام بدر الدين في اتصالها بأبناء مدينتها المقيمين في دبي معبراً عن كل تفاصيل الموت البطيء والسريع الذي يعيشه الناس تحت الأرض، وسرعان ما وصل النداء إلى حيث يجب أن يصل. وزير الدولة لشؤون مجلس الوزراء صديق لبنان واللبنانيين،

المتهم والمدان والمحكوم بهذه الصداقة، محمد عبدالله القرقاوي، أتى بالجواب الشافي: لقد وجّه الفريق أول سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة بإرسال طائرة معونات خاصة إلى أهل النبطية والقرى المحيطة بها، وأمر بإيصالها بسرعة قياسية إلى وجهتها دون المرور بأي عقبة بيروقراطية، وأي تأخير من أي نوع كان.

كانت شبه معجزة. لم يستغرق الأمر أكثر من 24 ساعة وصلت بعدها إلى مطار بيروت طائرة محمّلة بمعدات طبية ومعونات إنسانية ومواد تموينية ومولدات كهرباء جرى تأمينها في اليوم عينه إلى النبطية وأهلها الصامدين، وإلى العديد من أهل القرى في حاروف وحبوش وزبدين والدوير وأنصار وغيرها.

لم تكن هذه البادرة الأولى من دولة الإمارات العربية المتحدة، ولم تكن الأخيرة في زمن الحصار والقتل الإسرائيلي، بل أنها كانت نموذجاً لما قدمته قيادة هذه الدولة وشعبها من دعم ومساندة للبنان وشعبه في مواجهته للعدوان وصموده في قلب جهنم حربه. إنها ببساطة حكاية نخوة نسجها رجال لبّوا نداء أهلهم.

اليوم وضعت الحرب الإسرائيلية أوزارها الثقيلة في لبنان، لكنها لم تنته بلا غالب ومغلوب. لقد هدم الإسرائيلي كل ما استطاع تهديمه، وقتل كل من استطاع قتله، لكنه انهزم، في حين أن الشعب اللبناني انتصر بفضل بسالة مقاومته وصمود شعبه ودعم أشقّائه.

لقد عاد شباب النبطية من الثغور إلى مدينتهم ليعلموا أن عائلاتهم قد وجدت من ينصرها في غيابهم ويحمي صمودها في أصعب زمن للصمود، بعض هؤلاء الشباب عاد شهيداً وبعضهم عاد جريحاً، لكنهم جميعاً عادوا منتصرين ومرفوعي الرأس.

أخي الإماراتي، ارفع رأسك فأنت شريك في النصر

إعلامي لبناني