دعونا من دون ديباجة ومقدمات نطرح سؤالنا: أين المثقفون العرب مما جرى ويجري في لبنان؟ وليسمح لنا القارئ إذا كان أسلوبنا هنا فيه بعد عاطفي حاد بعض الشيء، فنحن بشر وما يجري خارج نطاق المعقول. قد يجيب أحد بأن المثقفين ينتظرون انتهاء المذبحة وحرب الإبادة الإسرائيلية ـ الأميركية ليبدأوا التفكير والتنظير بعقد ندواتهم ومؤتمراتهم التي عادة تدور فيها نقاشاتهم المغلقة بطرح مكرر كيف ولماذا حدث ما حدث؟

وما هي أسبابه، وكيف تواجه الأمة هذه الهجمة (الامبريالية)؟ وسيختلفون حول جزئيات وتفاصيل كل حسب ثقافته السلفية القومية والدينية وحتى الليبرالية كل ذلك بعيداً عما جرى ويجري في الواقع اللبناني وقبل ذلك وبعده في فلسطين والعراق.

بعد شهر من حرب الإبادة ضد لبنان، تحركت الجامعة العربية وتحرك مجلس الأمن كما تحرك قبلها الشارع في عدد من الدول العربية والأجنبية، واتخذ الرئيس الفنزويلي شافيز أشرف المواقف ولم نسمع ونرى موقف المثقفين العرب، ماذا ينتظرون؟!

إن أزمة المثقف العربي جزء من أزمة التخلف في العالم العربي، لم نر غير موقف مشرف لعدد من الفنانين المصريين تجاه ما يجري. إن المثقفين العرب كعادتهم يلهثون وراء الأحداث فيخرجون علينا منظرين في جدلهم العقيم المعهود.

لقد وقع العدوان الإسرائيلي على لبنان في شهري يوليو وأغسطس من صيف هذا العام، و«المثقفون» العرب في هذا الوقت من كل عام ينعمون بإجازاتهم وراحتهم حول العالم في الفلل والشقق الفاخرة وفنادق الخمس نجوم، وسيبدأ صراخهم وجدلهم العقيم في أكتوبر المقبل بعد عودتهم من إجازاتهم.

لقد تحدث المثقفون العرب في كل شيء إلا في أزمة المثقف العربي ودوره في مثل هذه الأحداث. نقترح عليهم في أول ندوة يعقدونها بعد الكارثة مناقشة أزمة المثقف العربي وبكل تأكيد لا ينتقدون أنفسهم. إن أزمة المثقف أكثر كارثية من أزماتنا جميعها. لقد أثبتت الأحداث أن مثقفينا بعيدون عن الواقع إما ماضويون أو حالمون رومانسيون يتحدثون عن أمجاد الماضي وعن المستقبل الجديد وليس الشرق الأوسط الجديد!

إنهم اليوم عاجزون عن إثبات وجودهم وبيدهم سلاح مهم هو الثقافة، وفي مقدرتهم المساهمة في الأزمة، فالحرب ليست سلاحاً ومعارك فحسب، لكنهم آثروا حالة الاسترخاء والترهل الثقافي لأنهم يعيشون قصوراً ثقافياً حقيقياً، فهم ليسوا مثقفين عضويين كما قال غرامشي. أين المراكز والمنتديات والروابط والجمعيات الثقافية العربية؟

وأين ما يُسمَّى بمؤسسات المجتمع المدني العربية التي راهن عليها ما يُسمَّى بالمثقفين؟ وعندما يزداد طرح الأسئلة والإدانة لدور المثقف العربي في هذه المرحلة يستل بعضهم أقلامهم ليدافعوا بأسلوب خير وسيلة للدفاع هي الهجوم، ويبرّروا عجزهم وما أشطرهم في التبريرات.

إن النخبة المثقفة في عالمنا العربي قد تم تدجينها ونخبة النخبة تعيش في برجها تلهث وراء الأحداث لترتزق منها، لكن تجارب الشعوب الحية والناهضة تقول إن الواقع المتأجج سيفرز نخبة مثقفين حقيقيين تكون أكثر فهماً للواقع وتفاعلاً معه. وأرجو ألا يفهم المتعلمون بأننا نقصدهم، فمعظمهم غير مثقفين مهما كانت شهاداتهم، فالتعليم المتخصص في فرع من فروع المعرفة لا يعني أن صاحبه مثقف.

لقد شاركنا في عدد من منتديات وملتقيات المثقفين العرب في عدد من العواصم العربية خلال السنوات الماضية، وكنا لا نختلف عنهم في الحوار الذي لم يخرج عن حدود القاعات التي كانت تُعقد فيها تلك الندوات، وفي ندواتهم المتأخرة كنا نحضرها مستمعين متأملين حال هذه الفئة من مجتمعنا ولسان حالنا يقول: لا تقدم من دون فكر وثقافة، وما نطرحه ليس فكراً ولا ثقافة،

ونحن نعيش أزمة تحتاج إلى علاج، وقد تكون أمراضنا الثقافية مستعصية.أتذكر مرة سألت متخصصاً في مادة الحضارة العربية تقدم للعمل في جامعة الكويت: ما هي الحضارة؟ فردّ عليّ: «هو في حد ما يعرفش الحضارة، هي كل حاجة في الدنيا»!

لذلك علينا أن نطرح السؤال على المثقفين العرب: ما هي الثقافة، وما هو دور المثقف في مجتمعه؟ ولن نتطوع للإجابة عن السؤال لأننا جزء من الأزمة، وحتى لا يفسر ما نقول بأنه استخفاف بالآخرين. نؤكد أن لدينا مثقفين لكن هناك قصور في فهم دور المثقف وفي الوقت نفسه لدينا أدعياء الثقافة وأشباه المثقفين.

الأمة بحاجة إلى مثقفين جدد وإلى تجديد الخطاب الثقافي ولا نقول على المثقفين العرب زرع ثقافة واعدة تحقق لنا ذلك الأمل، بل كما قلنا حرارة الواقع ستفرز مثقفين حقيقيين متميزين يعيشون واقع مجتمعاتهم ناقدين أوضاعها ومستشرفين مستقبلها بناء على تكوين جيد يستفيد من تجارب الماضي ويفهم ويتفاعل مع الحاضر.

لقد تعبنا من الطرح الأيديولوجي والسياسي والعقائدي المكرر والمحلق بعيداً عن الواقع من دون أن تجني الأمة شيئاً. وعلينا أن نعي أن أزمة المثقف العربي هي من أزمة الواقع الاجتماعي والسياسي، بيد أن تقدم المجتمعات يتطلب أن تكون الفئة المثقفة في مقدمة الصفوف تضحي وتنير الطريق، فهل نحن في عصر نحتاج فيه إلى حركة تنوير جديدة؟

في كل دول العالم التي شهدت النهضة والتقدم كان المفكرون والمثقفون هم رواد تلك النهضة وذلك التقدم حتى العرب أنفسهم في بعض مراحل تاريخهم لكننا نعيش عصراً نشهد فيه نوعية مختلفة من المثقفين غير القادرين على اللحاق بتطورات الأحداث في مجتمعاتهم.

يقولون إن صعق الأحداث وهولها حرك الشعوب، وفي طليعتها المثقفون، فهل هناك صعقاً وهولاً أكثر مما يجري في لبنان وفلسطين والعراق؟ ويبقى السؤال: أين المثقفون العرب مما يجري؟ ولا حول ولا قوة إلا بالله.

كاتب كويتي