شهر كالدهر مر على لبنان وإسرائيل والمنطقة، ولدهر ستمتد آثاره أيضا. ومع وصول هذا المقال إلى القارئ لا أعرف ما إذا كان إطلاق النار قد توقف بالفعل بموجب قرار مجلس الأمن 1701 كما نتمنى جميعا. لكن الذي نعرفه هو أن هذا القرار برغم التطور الذي طرأ على مشروعه الأصلي لا يزال منحازا لإسرائيل ويمنحها من المكاسب ما لم تحققه بقوتها العسكرية الضاربة.
هذا سيوجد أزمة جديدة من نوعها في العلاقات الدولية والقانون الدولي ويخضع الأمم المتحدة لمزيد من الإرادة والوصاية الأميركية، ويثبت أن عالم القطب الواحد يعني أن هذا القطب يخضع العالم لمصلحته وبالتالي فهو غير مؤهل للمساعدة في حل مشكلاته.
الإسرائيليون يتمتعون بكامل الغطاء الأميركي لتصفية أكبر حسابات ممكنة في المهلة الممنوحة. قالوا بأن مجلس وزرائهم لن يتمكن من الاجتماع لإعطاء موقفهم بشأن القرار 1701 إلا يوم الأحد حيث ان اليهود لا يعملون في السبت المحرم ديانة. أما الصهيونية فلا دين لها.
شغلوا يوم السبت كامل طاقة آلتهم العسكرية الضخمة لتصب على لبنان وشعبه حمما هي الأشد في أيام الحرب الثلاثين. وكان على لبنان الرسمي أن يحدد موقفه من هذا القرار في أتون هذه الحمم. النتيجة واضحة: وقف إطلاق النار، وهذا جيد، وكل الباقي يدفع بلبنان والمنطقة نحو المجهول.
من المنتصر ومن الخاسر في هذه الحرب؟ لا يزال من الصعب الإجابة بشكل حاسم. نتيجة الحرب من حيث الخسائر العسكرية البحتة تعطي أساسا قويا للحديث عن انتصار لبناني وهزيمة إسرائيلية. الفارق الحضاري - الأخلاقي للطريقة التي خاض بها كل من الطرفين الحرب والصدقية الإعلامية تعطيان هذا الأساس أيضا.
لنقرأ الحرب من وجهة نظر إنسان يهودي غير ملوث بالأيديولوجية الصهيونية العنصرية.
يقول الكاتب إسرائيل شامير ان المجرم عادة ما يسقط صورته على ضحيته لتبرير جرمه. وكذلك يفعل الصهاينة. إنهم يلصقون بمقاتلي حزب الله كل الجرائم التي يرتكبونها هم ضد السكان الآمنين. لكن الحقيقة لا تكمن في الدعاية، بل في الوقائع.
فمن بين سبعمئة لبناني قتلهم الإسرائيليون حتى بداية أغسطس كان نصفهم من الأطفال، وهو ما يتناسب وثقل الأطفال في المجتمع اللبناني. ذلك يعني أن قوات الطيران ومدفعية المشاة الإسرائيلية تقتل اللبنانيين كما تقتل الفلسطينيين بدون أي معايير.
وفي الأسبوع الثاني من الحرب كتبت الغارديان (22 يوليو) أن الإسرائيليين قتلوا في لبنان 345 مواطنا مدنيا وفقط 65 مسلحا. وهذه النسبة تحدث عادة عندما يستهدف المدنيون بلا رحمة. أما حزب الله فقد قتل 15 عسكريا و19 مدنيا، الأمر الذي يدخل ضمن مفهوم «الضرر المصاحب».
يرى إسرائيل شامير أن تحليل هذه الأرقام يظهر أن مقاتلي حزب الله، بعكس الصهاينة، خاضوا الحرب بطريقة أخلاقية، وكانوا يوجهون صواريخهم في الأساس صوب الأهداف العسكرية الإسرائيلية التي يقع الكثير منها وسط الأحياء السكنية العربية واليهودية.
ولهذا السبب يسقط الضحايا المدنيون. ألم يخرج سكان تل أبيب في تظاهرة حاشدة محتجين على وجود مقر قيادة أركان ما يسمى بجيش الدفاع الإسرائيلي «تساخال» في داخل المدينة مما يعرضهم للخطر؟ وينقل عن معلق القناة الثانية الإسرائيلية إيهود ياآري أن الأطفال القتلى هم صغار حزب الله، ولا ضير من قتلهم البتة.
لكن الإعلام الإسرائيلي يحاذر من أن يصدر هذا الكلام للخارج، لأنه معد للاستهلاك الداخلي فقط. الإعلام الصهيوني الذي يقف خلف إسرائيل حول العالم لا يقول ذلك الكلام مباشرة، بل، كما قلنا أعلاه، يسقط صورة العنصرية الصهيونية على ضحاياها الفلسطينيين واللبنانيين : إن أساس وجودهم ـ العرب ـ هو الحقد.
إنهم يكرهوننا. قسم كبير من الإعلام الغربي المكين الممول من قبل الصهيونية العالمية ظل يبرز صور مآسي الحرب في إسرائيل مقدما إياها على أنها الضحية متجاهلا ما يحدث في لبنان. ويرد إسرائيل شامير على ماكينة الحقد هذه ان التاريخ أثبت أن الفلسطينيين واللبنانيين لا يحقدون على اليهود. فالأجيال القديمة تروي كثيرا من الروايات عن وقائع العيش المشترك بينهم وجيرانهم اليهود.
وأن السلم ممكن الآن أيضا، لكن بعد أن تنهى لعبة الإسقاط وينظر إلى الجيران غير اليهود كبشر، وليس لنسائهم كحاضنات لإرهابيين محتملين ولأطفالهم كإرهابيين بالفطرة. هذا التباين الحضاري ـ الأخلاقي لا بد وأن ينعكس على تطور المعنويات والقيم في كل من المجتمعين سلبا أو إيجابا وسيشكل عاملا من عوامل تشخيص ما تحقق من نصر أو هزيمة.
الواقع الميداني الأكثر أهمية سيفعل فعله بعد أن ينقشع غبار المعارك. سيبحث المجتمع الإسرائيلي عن النصر أو الهزيمة ليس في ما اقترفه جيشه في لبنان، بل في ما أحضره معه من قتلاه وجرحاه وما تركه على أرض المعركة وفي قاع البحر من دبابات وجرافات وناقلات وسفن وزوارق.
لقد أعطي هذا الجيش الذي لا يقهر كامل فرصته للقضاء على حزب الله. ولتحقيق ذلك كانت إمدادات السلاح والذخيرة تتدفق عليه في لبنان لا من القواعد والمخازن الإسرائيلية فقط، بل ومن مصانع السلاح الأميركية مباشرة.
لكن هذا الجيش تحرك كآلة ضخمة صماء عمياء تدمر ما تراه أمامها دون أن ترى أهدافا حقيقية. وخرج الجيش الإسرائيلي يحمل ليس عار العدوان والمجازر ضد العزل فقط، بل وذل الهزيمة. أما المقاومة اللبنانية، وفي مقدمتها حزب الله فستداوي جراحها منتشية بدحر الغزاة وتحطيم أسطورة ـ خرافة الجيش الذي لا يقهر.
لدى المجتمع الإسرائيلي أسباب قوية للانقسام الداخلي وتحطم المعنويات. ولدى الشعب اللبناني أسباب قوية لتعزيز الوحدة الداخلية التي تجسدت أيام الحرب من أجل استكمال تحرير أراضيه، وفي تكريس الأخوة والتلاحم بين الطوائف والمناطق اللبنانية والعمل معا من أجل إزالة آثار العدوان وإعادة بناء لبنان الجديد ليس ككبش فداء للشرق الأوسط الجديد.
عندما سينجح لبنان الكرامة في السمو فوق الحسابات الأنانية الضيقة وإعادة تفعيل لجنة الحوار الوطني، وعبرها في رسم وإنجاز مهام ما بعد الحرب وبناء ديمقراطيته الجديدة التي تقود نحو دولة المواطنة مقابل دولة الطوائف، وبناء علاقاته الدولية والإقليمية على أساس ديمقراطي ووفق ما تقتضيه مصلحة التطور الحر والانتماء العربي سيكون قد ربح نفسه بعد أن «خسر» الاحتلال، وفي هذا سيكون انتصاره الكبير.
كاتب بحريني
ajnoaimi@gmail.com