العنوان المقتبس من بيان نزوى حول الحوار بين الحضارات والثقافات هو ايجاز بليغ غير مخل لأهداف هذه الندوة الدولية التي عقدت بنزوى بالتعاون بين وزارة التراث والثقافة والمنظمة الاسلامية للتربية والعلوم والثقافة وبالتنسيق مع اللجنة الوطنية العمانية للتربية والثقافة والعلوم وبمشاركة منظمات دولية ونخبة من العلماء والمفكرين .
بل ان العنوان يشي أيضا بماهية أوراق العمل والحوارات التي دارت في الندوة والتوصيات التي انتهت إليها ، وهذا التزامن غير المتعمد بين توقيت انعقاد الندوة والعدوان الاسرائيلي الغاشم على لبنان الذي يمثل ذروة التعصب وهيمنة القوة وأحادية الرؤية ، تعبير عن رؤية عمانية شمولية حكيمة تتوغل بعيدا إلى جذور الصراعات الأممية والمشكلات الدولية وتطرحها على طاولة التشريح والفحص الدقيق وصولا إلى أسبابها الحقيقية ، ومن ثم طرح أسلوب العلاج الناجع الذي يرتكز على القانون الانساني العام والتشريعات والأعراف الدولية .
هذه الندوة ومكان انعقادها وتوقيتها يكتسب أهمية قصوى في ضوء آراء تنادي بصراع الحضارات وتؤسس لسياسات عدوانية عنصرية تبيح غزو الدول وشن حروب استباقية على أخرى وتوصيف أي فكر مناوئ معارض لهذه السياسات باعتباره ارهابا ، ولعل من أبرز النماذج التي تبرز هذا التوجه المفكر الأميركي صمويل هينتنغتون ، الذي يقول في كتابه نهاية التاريخ أن أساس الصراع الجديد في عالم مابعد انتهاء الحرب الباردة قائم على تنافس الثقافات والحضارات ، وأن قيادة الغرب الولايات المتحدة تحديدا للعالم تضعه في صراع مع الحضارات أخطره مع الاسلام والصين .
ويتفق معه في هذا المفكر الأميركي ياباني الأصل فرانسيس فوكوياما ، الذي يرى أن هناك سبعا أو ثماني حضارات تتصارع الآن في عالمنا ، ويؤكد في كتابه (نهاية التاريخ) أن الاسلام والصين يعتبران أهم أعداء الولايات المتحدة والغرب ولا مفر في النهاية - كما يقول - من مواجهة هذا الصراع الحتمي .
لقد حاصرت الندوة هذا الفكر العنصري المتطرف فيما ناقشته من أوراق عمل وتداولته من مناقشات وأصدرته من توصيات ، تؤكد أن الحوار بين الحضارات والثقافات حاجة انسانية تقتضيها سجية الانسان العاقلة وطبيعته المحاورة ، وتستلزمها المتغيرات والتحولات الدولية المتسارعة التي يشهدها العالم في هذه المحصلة الدقيقة من تاريخه ، وهو ما يعني تربية النشء على ثقافة الحوار وقبول الآخر والبحث عن قواسم مشتركة تجمع البشرية على ضروريات ينبغي المحافظة عليها أولها - وأهمها - حرية الانسان وحقه في الحياة بكرامة بغض النظر عن جنسه ولونه وانتمائه الفكري ، كما يشير بيان الندوة .
إن الحكمة والموعظة الحسنة مبدأ إسلامي في التحاور مع الغير حتى في أعلى القضايا وأجلها شأنا وهي الدعوة إلى الله تعالى ، وكل العصور الزاهية للحضارة الاسلامية كانت تقدم نماذج راقية في التعددية العرقية والدينية ، وعدد لا يستهان به من العلماء المسلمين كانوا من أصول غير عربية ، وفي كنف هذه الحضارة العظيمة عاش أهل الذمة من المسيحيين واليهود حياة آمنة كريمة ، وبعضهم كانت له اسهامات بارزة في بعض جوانب هذه الحضارة الزاهية ، التي نشطت خلالها حركة الترجمة في الفلسفة والطب والعلوم المختلفة ، وشكلت في مجملها روافد ثقافية لهذا التيار الحضاري المتدفق ، بل ان كثيرا من علماء الفقه الاسلامي كانوا من بلدان إسلامية مختلفة غير عربية .
واحتضان السلطنة لندوة الحوار بين الحضارات والثقافات يأتي في اطار قناعتها التامة بموضوعها ، الذي كان أحد أسس سياسة خارجية مدت يد الصداقة والتعاون مع الجميع , ودعت دائما للحوار أساسا لحل المشكلات ، ورفضت - وترفض - باصرار اللجوء إلى شريعة الغاب واستخدام القوة المفرطة وسيلة لفرض الهيمنة ، وتحترم سيادة الدول ، وتأخذ من الحضارة الانسانية كل ما يؤصل البناء الداخلي ، وينسجم مع ملامح الثقافة الوطنية العمانية .