بعد كل حرب لابد من وجود كشف حساب ليس المقصود منه معاقبة الطرف المقصر ومكافأة الفائز، ولكن المقصود هو التعلم من الأخطاء وعدم تكرارها وتجنبها مستقبلا.
ولعل الطرف الأبرز وليس الأهم هو الطرف العربي، فقد جاء أداؤه بشكل عام سيئا في بداية الحرب التي استمرت أكثر من شهر، وبرغم طول المدة فشل في الدعوة إلى عقد قمة عربية طارئة، وتضاربت المواقف، وتحول البعض من النقيض إلى النقيض.
والبعض حاول غسيل مواقف سابقة خلال أيام الأزمة، والبعض الآخر اكتفى بالمشاهدة، وأخيرا عقد وزراء الخارجية اجتماعهم في بيروت على وقع الهجمات الإسرائيلية، وكانت نتائجه المعروفة.
بالنسبة للطرف الاسرائيلي فإن ابلغ تعبير هو ما صاغته صحيفة معاريف التي قالت إن شارون أفاق واولمرت دخل في الغيبوبة وهو رغم قلة كلماته فإنه يعبر بصدق عن الوضع في الداخل الاسرائيلى.
فأولمرت بات اليوم يعاني من سكرات موت اكلينيكي في وزارته التي تشارف على الموت بعد أدائها الفاشل في الحرب أمام المقاومة اللبنانية، مرة أخرى تأكد لإسرائيل أن القوة التي تمتلكها لها حدودها، وليس في مقدورها أن تحقق لها أسباب الأمن، وان الأمن الحقيقي دوما يمر عبر عودة الحقوق.
لاشك أن الحرب وضعت إسرائيل في حرج كبير، فآلة الحرب الضخمة التي تمتلكها لم تحقق لها اى نتائج حقيقية على الأرض أمام مقاومة لا تمتلك سوى الإرادة الحقيقية، هي الآن إسرائيل أمامها دعوة صادقة قدمها لها حزب الله تتلخص في ضرورة عدم التركيز فقط على وهم القوة، والا فان البدائل ستكون مكلفة.
بالنسبة للموقف الاميركي-الأوروبى، فلا يمكن أن يقال فيه الكثير طالما بقيت الولايات المتحدة هي القوة الوحيدة، الأمر الذي يترك باقي الغرب مجرد لاعب محدود في القضايا الدولية والإقليمية.
ولكن هناك ما هو أكبر، وهو سقوط ما كانت تسعى إليه السيدة كوندوليزا رايس وزيرة الخارجية الأمريكية منذ بدء الأزمة وهو ما يسمى بالشرق الأوسط الكبير الذي بشرت به، لقد أنهته المقاومة فقط.
بالنسبة للبنان، فهي الآن وفى اقل من عامين واجهت أزمتين كلتاهما مر الأولى كانت في اغتيال رئيس الوزراء السابق رفيق الحريري، ووقتها راهن البعض على عودة شبح الحرب الأهلية، ولكن خابت التوقعات ونجح هذا الشعب في التغلب على فجيعته.
وجاءت هذه الحرب لتؤكد أن هذا الشعب بكل أطيافه استوعب تجربة الحرب الأهلية التي مر بها في السبعينيات من القرن الماضي جيدا، انه يدرك أن أعداءه ليس من الداخل ولكن في الخارج، واثبت انه نسيج واحد في مواجهة عدو واحد، واثبت أيضا انه وحده وبإمكانياته المحدودة نجح في صد واحدة من اقوى دول العالم من الناحية العسكرية.
أخيرا إذا كانت هذه الجولة قد انتهت فان الأعداء مازالوا متربصين، وإذا كان الشعب اللبناني قد عبر تلك المحنة حتى الآن بجدارة، فإن أمامه الكثير على الصعيد الداخلي، أهمه الحفاظ على اللحمة الشعبية، والارتفاع فوق الأخطاء أثناء فتح الحساب عما جرى، خاصة عندما يجرى الحديث عن سلاح المقاومة، ويبدو أن السيد حسن نصر الله الامين العام لحزب الله لم يغفل تلك النقطة وحذر من المزايدات التى بدأت تلوح في الأفق.