المشهد اللبناني الدموي استطاع السيطرة على العين والأذن والعقل وهو جدير بذلك، فقدر العربدة الإسرائيلية والبصمات الدموية التي تركتها آلتها العسكرية على الخارطة اللبنانية: الناس والجسور والطرق.. ..لم تترك مكانا لمفردة أخرى لنراها فضلا عن أن نتأملها وندقق فيها وفي دلالاتها،

وفي جلسة مجلس الأمن للتصويت على القرار 1701 كانت هناك كلمتان لم تركزا على المشهد بقدر ما رسمتا خلفيته بألوان قاتمة وحملتا نذر مستقبل صعب ينتظر المنطقة العربية، وفي الحقيقة فإن الكلمتين تؤكدان أن الصواريخ والبوارج والنازحين والضحايا المدنيين مفردات صورة مرعبة لكن بعض الأفكار قد تثير في النفس من مشاعر الخوف والإثارة أكثر مما تثيره مفردات المشهد اللبناني!

ملاحظات الأمين العام

الكلمة الأولى التي تجاوزت واجهة المشهد اللبناني إلى الخلفية كانت كلمة كوفي عنان أمين عام الأمم المتحدة الذي أشار إلى دلالات المداولات حول القرار الدولي في مراحلها المختلفة قبل الوصول للنص الأخير الذي أقره مجلس الأمن، وهو اعتبر أن الاستقطاب والاصطفاف على الساحة الدولية بسبب الحرب الإسرائيلية على لبنان غير مسبوق و»التصدعات لم تصب المباني وحدها بل التصورات والأفكار أيضا«،

وفي الوقت نفسه تنبأ الأمين العام بأن الشرق الأوسط مرشح للبقاء على قمة أولويات الأمم المتحدة لسنوات قادمة، وأن بقاءه كذلك يعني مزيدا من الهزات والسيناريوهات والمخططات والتفجيرات والقرارات....

والتعبيرات المهذبة لرجل الدبلوماسية المخضرم وراءها ما وراءها فالساحة الدولية تتجه بوتيرة ملحوظة للانقسام والاستقطاب وهو مناخ متوتر إذا ساد واستقر تكون له عواقبه على القضايا الدولية وهو نتيجة للخلاف في المفاهيم، فمعان مثل »وقف إطلاق النار« و»وقف الأعمال الحربية« و»حق إسرائيل في الدفاع عن النفس«

وغيرها من التعبيرات التي تتصف بقدر من الغموض وأحيانا صعوبة التفرقة بينها وقبولها القراءات المختلفة مؤشر على صعوبات حقيقية تعترض التوافق الدولي على المفاهيم التي تحكم التحرك الدولي وهو ما سيفتح الباب لحزمة جديدة من المفاهيم والمصطلحات لقاموس الأمم المتحدة، وهي مفاهيم لن تحكم صياغتها في المقام الأول معايير العدالة بل توازنات القوى وستتم صياغتها في ظل تفرد أميركي واضح بوضع القوة الأعظم.

والمفاهيم التي أصابها التصدع بقيت آيلة للسقوط منذ انهيار الاتحاد السوفييتي لتسقط مع أنقاض برجي مركز التجارة العالمي على رأس المجتمع الدولي في الحادي عشر من سبتمبر الذي خرجت من بعده الولايات المتحدة الأميركية كالإعصار لكي »تؤدب« المارقين وتواجه محور الشر في مسار بدأ بأفغانستان ولم ينته حتى الآن،

والأمين العام يتوقع بقاء منطقتنا على قمة أولويات المجتمع الدولي لسنوات قادمة وهو تعبير مهذب عن حقيقة أن العالم العربي – وصولا إلى أفغانستان وباكستان – أصبح منتجا للقلاقل من تنظيمات الإرهاب الشرسة التي ضربت قلب العالم الغربي في سلسلة من العمليات الدموية في نيويورك ولندن ومدريد وغيرها،

وقد جاء الكشف عن إحباط محاولة لتدمير عشر طائرات بريطانية في عرض الأطلنطي في طريقها لأميركا في توقيت شديد الحساسية دوليا ورسخ الصورة القاتمة عن منطقة محتقنة غاضبة مليئة بالمتشددين لا تصدر للعالم سوى النفط والانتحاريين، ومن الصعب جدا على مواطن غربي بسيط أن يفرق في عصر الصورة بين إرهابيي القاعدة ومجاهدي حزب الله، وبالتالي فإن مقولة »الشرق الأوسط المثير للمتاعب« تتكرس بالتدريج دون فرصة لتحديد من يضع بذرة المتاعب ومن يضرس بحصرمها!

المفاجأة القطرية

كلمة وزير خارجية قطر حملت هي الأخرى الكثير مما يجب الوقوف عنده وأكثره أهمية وأخطره دلالة كشفه عن مسعى عربي فعلي لنقل القضية الفلسطينية للأمم المتحدة وهو لمن لا يعرف منعطف تاريخي في الصراع العربي الصهيوني وهو موقف متناغم تماما مع قول عمرو موسى أمين عام جامعة الدول العربية إن مسيرة التسوية ماتت.

وما يجعل لهذا الإعلان أهمية استثنائية أن الولايات المتحدة الأميركية وخلال عقود كانت تطلب من الدول العربية صراحة عدم نقل القضية الفلسطينية إلى الأمم المتحدة مصرة على التفاوض المباشر بين إسرائيل وكل دولة عربية على حدة دون مرجعية دولية وكل الاتفاقات التي وقعت بين العرب وإسرائيل تمت بهذا الشكل بعيدا عن الأمم المتحدة (كامب ديفيد – أوسلو – وادي عربة).

وهذا الإطار كان يوفر لإسرائيل أن تتفاوض دون مرجعية وتجعل موازين القوى المعيار الوحيد لما يمكن أن يحصل عليه كل طرف، فضلا عن أنه كان يحرم خصوم الولايات المتحدة الأميركية ومنافسيها من الضغط عليها بهذا الملف الشائك ذي الأهمية الاستثنائية بالنسبة للولايات المتحدة الأميركية ووجوده في الأمم المتحدة كراع لمفاوضات جديدة محتملة يفقد أميركا دور »الوسيط« والراعي الوحيد الذي طالما كان سندا لإسرائيل،

بل لا أبالغ إذا قلت إن الدور الأهم الذي لعبه بعض الحلفاء للعرب للولايات المتحدة الأميركية ولعقود متصلة كان إبقاء المفاوضات حول القضية الفلسطينية بعيدا عن أروقة الأمم المتحدة. وإذا عدنا إلى ما قاله أمين عام الأمم المتحدة وقرأنا التصريح القطري في ضوئه أدركنا أن القضية الفلسطينية ستنتقل للمنظمة الدولية في ظل استقطاب دولي متنام وخلافات على المفاهيم وأفكار أصابها التصدع أي أن سنوات صعبة تنتظر العرب وقضيتهم.

في الوقت نفسه فإن »الباب السابع« من ميثاق الأمم المتحدة الذي انفتح مع الحرب على العراق أصبح على ما يبدو مستعصيا على الغلق وما زال يطرح كمرجعية لحل المشكلات في مسودات قرارات دولية وهو مؤشر على المزيد من التدخل الدولي مطروح وبخاصة في العالم العربي، فالسودان ما زال مهددا بنشر قوات دولية على أراضيه في إطار مشكلة دارفور ومرشح للانتقال إلى قائمة ضحايا »الباب السابع«. والتعديل الذي أدخل على القرار اللبناني لا يعني أن الرفض سيظل قادرا في مرات قادمة على الدفع باتجاه اتخاذ القرارات بناء على الباب السادس.

معالجة جذور الأزمة

المثال الأوضح لحالة الاستقطاب والتصدع في المفاهيم الخلاف الواسع لمفهوم معالجة جذور الأزمة اللبنانية الإسرائيلية فالعرب ومعهم بعض الأطراف الأوروبية التي كانت تعني بذلك التوصل إلى حل للقصية الفلسطينية في ضوء المبادرة التي تبناها العالم العربي إطارا للحل أو تنفيذ خارطة الطريق التي قبلها العرب وتمت برعاية الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي

بينما كانت الولايات المتحدة الأميركية تعني به وقف أي أعمال مسلحة ضد إسرائيل تنطلق من لبنان ونزع سلاح حزب الله و.. .. كما هو واضح فإن القصف المتبادل بالأفكار يحمل مخاطر لا تقل عن القصف بالصواريخ والحرب قبل أن تصبح واقعة تبدأ فكرة!

كاتب مصري