كلما أقرأ تصريحاً لبعض مسؤولينا أو بعض العاملين لدينا في الحقل الاجتماعي، يتضح لي حجم الخلط ولن أقول الغشامة في قدر المعرفة التي لديهم بمفهوم المجتمع المدني. بل ان البعض منهم رغم انتسابه للحقل القانوني بفعل التخصص أو العمل إلا أن فهمه القانوني يتسم بقدر مما قد يسمى بالميكانيكية المخلة.

ولهذا الغرض وددنا أن نوضح لكل هؤلاء بعضا مما يدور في هذا الحقل من مفاهيم، فنحن في المنطقة العربية والخليج منذ انعقاد مؤتمر المنظمات الأهلية في القاهرة في نوفمبر من عام 1989، نعلك ونطلق تعبير المنظمات الأهلية على كل المنظمات غير الحكومية العاملة في حقل الشأن العام، بل ان قوانين ذات علاقة صدرت قد حملت ذات التسمية،

وبعضها الآخر مازال، أي القوانين، مازالت تعمل بمفهوم ومنطق جمعيات النفع العام رغم اندثاره عن الاستخدام في الأدبيات العلمية. وبشكل عام فإن تعبير المنظمات الأهلية إنما يطلق على تلك المنظمات ذات الصبغة الإسلامية التقليدية أو التجمعات التقليدية القائمة كالوقف والزوايا والحوزات والطوائف والملل والنحل رغم استمرار بعضها في العمل لحد الآن.

أما تعبير المنظمات غير الحكومية فيطلق على المنظمات التي من حيث نشأتها أو نظامها، تعمل بصورة منفصلة عن الحكومة، بمعنى أنه تعبير واسع يطلق على كل المنظمات التي لا تنتسب للحكومة/الحكومات من حيث النشأة والتمويل والأشخاص القائمين فيها أو عليها، ولو كان بعضا ممن يحتل مكان الصدارة فيها أحد موظفي الدولة السابقين.

ويتداخل هذا المفهوم بعض الشيء مع مفهوم المنظمات غير الربحية إلا أن هذا اللفظ يطلق على كل المنظمات التي منشأها غير حكومي والتي لا تهدف في نشاطها لتحقيق الربح، ولو أن المنطقة العربية ودول العالم الثالث قد شهدت في الفترة الأخيرة نموا مطردا لمنظمات غير ربحية مغلقة على أفراد بعينهم دون الآخرين، وتقوم بتقديم خدمات في الغالب ذات طابع توعوي أو ثقافي أو حقوقي ويتلقى بعضا من هذه المنظمات دعما سخيا من الخارج، وتوظف عائداتها المالية لصالح القائمين عليها وهم في الغالب فئة صغيرة من الناس.

أما إننا وقد وصلنا لمفهوم المجتمع المدني فنقول إن هذا المفهوم قد أصبح له قدر من السحر عند مستخدميه بضفتيهم الرسمية والأهلية وأجزم أن بعضهم لا يعرف ماذا يعني هذا المفهوم وكيف وصل إلينا، بل أجزم في القول إن بعضهم لا يعرف المجتمع المقابل له. وقبل أن نبدأ نقول إننا لسنا معنيين هنا بمناقشة المفهوم كما ورد وتطور في الأدبيات الغربية منذ عصر النهضة حتى الآن، فما يعنيننا هنا كيف استقر المفهوم في شكله الأخير في الممارسة على الواقع العربي.

وإذا ما كنا نتخبط في توظيفه عربيا فإن هذا التخبط السمة الغالبة في الطريقة التي نوظف فيها كل المفاهيم الغربية التي تأصلت في الممارسة الاجتماعية والسياسية والثقافية الغربية. فالبعض منا وتحديدا في اليمن يطلق تعبير منظمات المجتمع المدني ليشمل فيه المنظمات غير الحكومية والجماعات القبائلية والطوائف من حيث إن هذه القبائل والطوائف تقوم بأدوار في الشأن العام لا تقل أهمية عن الأدوار التي تقوم بها الأحزاب السياسية،

وإذا ما أخذنا بهذا الرأي فإن ذلك يدخل علينا كل التجمعات الماقبل حداثية كالأوقاف والحوزات والزوايا والتي تقوم بأدوار مهمة على صعيد الشأن العام، والتي كثيرا ما يتداخل عملها الاجتماعي مع عملها السياسي. إلا أن الاختلاف بين هذه ومنظمات المجتمع المدني أنها لا تقوم كما الأخيرة على محكات حداثية، فالقبيلة والطائفة والأوقاف، وغيرها ينتسب إليها الفرد بفعل محكات ذاتية وهي غير قائمة على محكات الانتماء الوطني أو القومي أو المهني بقدر ما هي محكات تولد مع الفرد ولا يمكن تغييرها ولو بعد حين أو جيل أو أكثر.

وأعتقد أن مفهوم المجتمع المدني قد جاء ليقف قبالة المجتمع السياسي بل جاء ليحكم وقع الفعل والممارسة فيه، وليُأنسن ويُمدنن (من مدنية) فعله وممارسته السياسية. بمعنى أن الانتساب إلى المجتمع المدني يعني الانتساب لقيم المواطنة والديمقراطية وحقوق الإنسان، وهو انتساب لا يذهب عن هذه المنظمات حق اتخاذ الموقف و(المساءلة) السياسية بل إنني أعتقد أن هذه المنظمات يمكن أن تلعب دورا رقابيا مهما على أداء السلطة السياسية والتشريعية. بل انها تعتبر ضمانة أساسية في أي تحول ديمقراطي.

وهنا فإني لا أختلف في القول ان منظمات المجتمع المدني لا تشتغل بالسياسية كالأحزاب والمنظمات السياسية، من حيث ان يكون لها قوائمها الانتخابية أو ممثليها في البرلمان أو حكومات ظل كما هي في المجتمعات التي يتم فيها التداول السلمي للسلطة أو أن تأخذ بذلك، أو أن يكون لها دور في إسقاط أو تشكيل حكومات.

إلا أن لهذه المنظمات دورا سياسيا على مستوى آخر يمكن أن تلعبه في ذلك. فمراقبة الانتخابات لا يعتبر عملا أو نشاطا سياسيا كما فهمه أو يفهمه بعض منا، كما أن دعم منظمات المجتمع النسائية أو اتحادها النساء المرشحات لأي انتخابات سياسية لا يعتبر عملا في السياسة، كما هو تبني موقف من قانون أو حزمة من القوانين ليس عملا في السياسة، مثلما يكون تبني موقف من شأن سياسي محلي أو إقليمي أو دولي ليس عملا في السياسة وإنما هو تعبير عن موقف أو اتجاه في سياسة. فنحن كأفراد باختلاف مواقعنا ومستوياتنا نتبنى مواقف سياسية من قضايا شتى محلية وإقليمية.

ومثل ذلك لا يجعل منا أشخاصا ممارسين للسياسة أو ممثلين لتنظيماتها، بل ان الكثير من التجمعات غير السياسية في الدول الديموقراطية، من منظمات المجتمع المدني، تدعو لدعم مرشحين محددين للانتخابات المحلية أو البرلمانية، إلا أن ذلك لا يجعل منها منظمات سياسية أو يخرجها عن منظومة المجتمع المدني.

فالكثير من المنظمات الحقوقية ذات العلاقة بقضايا الناس في الكثير من المواقع في العالم تتبنى مواقف من إجراءات تتخذها حكوماتها، بل انها قد تعبأ ضدها، أي ضد هذه الإجراءات، إلا ان كل ذلك لا يعد عملا في السياسة بالمعنى المتعارف به للعمل السياسي.

ويبقى الشيء المميز لهذه التجمعات أو التنظيمات عن المنظمات السياسية من حيث ان السياسة تكوّن جوهر عملها، فهي، أي المنظمات السياسية، تعمل من أجل إيصال ممثليها في المجالس التشريعية أو تشكيل حكومة أو حكومات على أنقاض أخرى خارجة منه أو تعد أخرى داخلة إليها وفق برنامج سياسي واضح ومعلن.

وتتحول المنظمات الحقوقية أو النسائية أو غيرها من كونها منظمات مجتمع مدني إلى كونها منظمات سياسية عندما يكون هدفها الأساسي الوصول للبرلمان أو الحكومة وليس دعم مرشحات أو مرشحين للعمل السياسي. ولا يجوز للرجال أو النساء خوض العمل السياسي من خلال منظمات المجتمع المدني، بمعنى أن يكونوا ممثلين لهم في العمل السياسي، إلا أنه يحق لهم أن يكون عملهم في هذه المنظمات منطلقا لعملهم السياسي.

ومن المهم القول ان الفصل بين المدني والسياسي لا تأخذ به كل المدارس الفكرية العاملة في هذا الحقل. فمدرسة فرانكفورت المعروفة في علم الاجتماع لا تميز كثيرا بين المجتمع المدني والمجتمع السياسي. فهي تدخل المنظمات والأحزاب السياسية في نطاق عمل المجتمع المدني، وتحدد المجتمع السياسي في الدولة الممثلة في الأحزاب/الحزب الحاكم وسلطات الدولة الثلاث الأخرى، وهو أمر لا يشكل منهجا فكريا لنا. فالأحزاب والتنظيمات السياسية هي جزء من المجتمع السياسي بل هي جزء من الدولة بمفهومها العام وإن كانت هي خارج الحكومة أو معارضة لها.

كاتب بحريني