بعد ان تصمت المدافع وتنقشع سحائب الدخان وتضع الحرب أوزارها، يجد لبنان نفسه في مواجهة مباشرة مع حرب دبلوماسية تحاول ان تمنح اسرائيل انتصارا لم تحققه ميدانيا ، من خلال تقديم تفسيرات وتأويلات للقرار 1701 تفرغه من مضمونه الحقيقي ، وتسعى الى اجهاض احد اهم المكاسب التي حققها لبنان بدماء شهدائه ، هو ذلك التلاحم الرائع لجميع الأطياف اللبنانية وصمودها امام عمليات ومحاولات التدجين والترويض ، انتقاصا من سيادة لبنان على كل شبر من اراضيه ،

ومن ابرز هذه التفسيرات المغلوطة ما اعلنته تسيبي ليفني وزيرة خارجية اسرائيل في قولها ان القرار 1701 يعني نزعا تاما لسلاح حزب الله ، رغم انه جزء من نسيج القوة اللبنانية قبل باختياره ان يكون القرار السياسي بالضغط على زناد البنادق واطلاق الصواريخ من عقالها بيد الحكومة اللبنانية ، مفوتا بذلك فرصة ذهبية كان يتحينها من يريدون لبننة الصراع واقتتال الاخوة وابناء العمومة.

هذا الانتصار الضخم للإرادة اللبنانية اسقط الفروق الطائفية والمذهبية ما بين سني وشيعي ومسلم ومسيحي فالجميع مواطنون لبنانيون في خندق واحد امام عدوان شرس همجي نفذته اسرائيل لحساب مصالح الولايات المتحدة واهدافها الامبريالية في المنطقة ، وبدعم غير محدود منها بالمال والسلاح وحق النقض الذي تستخدمه دائما في كل ما يحقق مصالح اسرائيل العدوانية ، ومن المؤكد ان استمرار هذا التوحد والتلاحم الذي يقطع الطريق امام من يحاول زعزعة الداخل وإثارة النعرات الطائفية والمذهبية ، ومن يريد الصيد في ماء عكر، مطلوب بشدة في مرحلة ما بعد انتهاء الحرب لاستثمار نتائجها السياسية لصالح لبنان كله ، ومن اجل المطالبة المشروعة بسداد فواتير الدم والتدمير المعلقة في رقاب تل ابيب وواشنطن.

بعد ان تضع الحرب اوزارها يصبح واضحا لكل لبناني وعربي وللعالم اجمع من الذي يمسك اطراف الخيوط ويحرك الدمى محاولا ان يكسر ارادة لبنان وشعبه ، ويقتل اطفاله ونساءه ويهدم بيوته وشوارعه ويدمر جسوره وطرقاته وهذه المعرفة اليقينية يجب ان تستقر في قلب كل لبناني وان تكون حجر اساس لبناء لبنان المستقبل الذي يعرف من هم اعداؤه الحقيقيون ، لبنان المتوحد الصامد المقاوم الذي استطاع ان يمرغ انوف ساسة اسرائيل في التراب ومعهم كل من يحرضونها على العدوان ويمدونها بأسلحته واسبابه ،

لبنان الذي اسقط اساطير كثيرة تعامل معها العرب كمسلمات لعدة عقود: اسطورة الجيش الذي لا يقهر ، واسطورة الذراع الطويلة التي تمتد بالعدوان الى اي سماوات ، واسطورة التقنية المتقدمة جدا في دبابات ميركافا وبوارج ساعر ، وغيرها من الأساطير التي يكتنز بها فكر ووجدان (واحة الديمقراطية) في الشرق الاوسط كما تطلق اسرائيل على نفسها.

بعد ان تنتهي الحرب سوف يقدم لبنان للأكاديميات العسكرية ومنظري الاستراتيجيات دروسا قوية بليغة لتمكن مقاومة وطنية بلا غطاء جوي او بحري او مدرعات ان تحقق انتصارا كاسحا على جيش مصنف في المرتبة الرابعة عالميا ، وان تسقط الفكر العسكري الكلاسيكي في كثير من تكتيكاته ، وان ترغم اسرائيل على تغيير اساليبها التقليدية في نقل الحرب الى ارض الخصم لان الصواريخ اصابت احشاء عمقها في مقتل..ايضا تقدم المقاومة اللبنانية الباسلة درسا بليغا لمن يفقهون: ان الطريق الى الأمن والاستقرار والسلام لا يمر بالضرورة من فوهات البنادق ، فطاولات التفاوض اقل كلفة واشد تأثيرا وانحيازا الى قيم الجانب المشرق من النفس البشرية..تلك التي الهمها بارئها فجورها وتقواها!.