في اللحظات الأخيرة من يوم أمس، وإسرائيل تبحث عن الغطاء الذي تواري فيه عورات فشل عدوانها الهمجي على لبنان، في هذه اللحظات الحاسمة فقط أدرك جنرالات إسرائيل خطأ تقديراتهم التي بنوا عليها أهداف الحرب المفتوحة التي بدأوا في شنها في الثاني عشر من شهر يوليو الماضي على لبنان تحت ذريعة استعادة الجنديين اللذين تم أسرهما من قبل المقاومة، حيث جاء هذا الاعتراف «وقبيل ساعات قليلة من التوقيت المحدد لوقف العمليات الحربية، ليؤكد أن الحل العسكري الذي راهنوا عليه للاجهاز على المقاومة واجتثاثها نهائياً قد انقلب عليهم رأسا على عقب!! فلا المقاومة انهارت ولا الأسيران تم استرجاعهما، ولا الأهداف التي شنوا من أجلها الحرب تحققت.

بل على العكس من ذلك، فقد زجوا بجيشهم الذي يصفونه «بالجيش الذي لا يقهر»!! في مستنقع جعله في متناول المقاومة حيث اثخنته الضربات، وتكبد خسائر كبيرة هي الأعلى في تاريخ الحروب العربية الإسرائيلية!!

ولم يتوقف الأمر عند هذه الخسائر، بل أن خطأ الحسابات الإسرائيلية الذي كان مبعثه حالة الغرور والغطرسة التي تضخمت في العقلية الإسرائيلية، كل ذلك قد تسبب في تمزيق سمعة الجيش الإسرائىلي الذي بدأ بعض قادته ينتظرون اللحظة المواتية للخروج من الورطة التي أوقعتهم حكومتهم فيها بشقيها «السياسي والعسكري».

والأهم من كل ذلك، أن كل المؤشرات تدل على أن الانكسار الذي منيت به إسرائيل في حربها العدوانية على لبنان كان نتيجة طبيعية لنزعة تماديها في غطرستها وعجرفتها وانتهاكاتها لكل الأعراف والقوانين والمواثيق الدولية، وهي النزعة التي أصبحت تتغذى من مفهوم عنصري وعدواني ظهرت ملامحه هذه المرة بشكل جلي في أعمال التدمير والقتل والمجازر الجماعية التي ارتكبتها إسرائيل بحق الأبرياء من الشيوخ والنساء والأطفال والمدنيين الذين دأبت وعلى مدى أكثر من شهر في استهدافهم من خلال قصفها للمساكن وتهديمها على رؤوس ساكنيها وقيامها بتدمير القرى الآهلة بالسكان. وترتسم آخر هذه الجرائم في المجزرة التي ارتكبتها «مساء أمس» على منطقة البقاع والتي راح ضحيتها العشرات من الأبرياء وما سبق قبلها في قانا وغيرها من القرى اللبنانية التي سالت فيها شلالات الدم، بفعل وحشية آلة الحرب الإسرائىلية التي لا يحكمها أي معيار أخلاقي أو إنساني.

وعليه فإذا كانت إسرائيل، ومن منظور الإسرائيليين أنفسهم، قد فشلت عسكرياً وسياسياً في حربها الإجرامية على لبنان، فإن السؤال الذي يطرح نفسه الآن وقد بدأ الحديث عن مرحلة ما بعد الحرب، أليس من حق لبنان الذي عمدت الآلة العسكرية الإسرائيلية إلى تدمير بنيته التحتية ومنشآته الحيوية من طرق وجسور ومرافق صحية وتعليمية ومصانع ومرافق إنتاجية مطالبة المعتدي بالتعويض عن كل ما اقترفت يداه في حق هذا البلد وشعبه؟!! خاصة وان ذلك المعتدي قد أسقط تلك الذريعة التي استخدمها كمبرر لعدوانه، بإعلانه الاستعداد للتفاوض بشأن قضية الأسيرين!!

والثابت أن لهذا التطور دلالات كثيرة، أهمها أن العدوان الإسرائيلي على لبنان لم يكن له ما يبرره ومن العدل والانصاف أن يتحمل المعتدي مترتبات وتبعات ما اقترفه وأن يلاحق أمام المحاكم والهيئات الدولية حتى لا تمر الجريمة دون عقاب،ويهال عليها التراب، لكون الجاني يحظى بغطاء الحماية من بعض القوى ذات التأثير والضغط العالمي!!

فالواقع أنه ليس من مصلحة أي طرف من الأطراف الدولية توفير مثل ذلك الغطاء للعدوان والمغامرة الإسرائيلية مثل تلك المحددات الأخلاقية من مضامين التوجهات التي تحتكم إليها العلاقات بين مختلف الشعوب والمجتمعات، باعتبار أن ذلك ستكون له انعكاساته الكارثية، ليس على واقع الأمن والاستقرار في المنطقة، بل والعالم عموما.

وبلا شك فإن استحقاقات كثيرة ستترتب على ذلك العدوان، الأمر الذي يوجب التعامل معها بواقعية متناهية وبمعزل عن ذلك المفهوم الإسرائىلي العنجهي المتغطرس، وحساباته الخاطئة.

إذْ أنّ من الواقعية أن يعترف الجميع الآن وبعد كل ما حدث في لبنان وغزة وغيرها من المناطق الفلسطينية بأن إسرائىل هي من اتخذت منطق القوة منهجاً لوأد منطق السلام فأفشلت كل الجهود التي سعت إلى إحلال عوامل الاستقرار وإغلاق ملفات الصراع العربي الإسرائىلي طوال خمسين عاماً.

وعلى النحو نفسه فقد أرادت إسرائيل ومن خلال ما تتمتع به من تفوق عسكري تصفية حساباتها مع المقاومة اللبنانية بالقضاء عليها عن طريق استخدام القوة المفرطة، فإذا بها تفاجأ بأن ذلك السلوك الأرعن قد عاد عليها بالوبال والهزيمة المذلة، لتكتشف وبعد فوات الأوان أن ما سعت إليه قد تولد عنه احتمال مختلف، هو تعميم ثقافة المقاومة في الشارع اللبناني والعربي والإسلامي وأن الجميع أصبح ينظر إلى المقاومة اللبنانية كمرتكز أساسي لتوازن القوى وأن هذا التوازن هو من سيشكل في المستقبل الضمان الحقيقي للسلام والاستقرار والنمو والتعايش السلمي بين كل شعوب المنطقة.

وإذا كان هناك من مفردة إيجابية للمنازلة التي جرت بين المقاومة اللبنانية وإسرائيل فإنها تلك الحقيقة التي اهتدى إليها الجميع وهي أن الوصول إلى السلام يبدأ من نقطة التوازن بين القوى، فما كان لإسرائىل أن تعلن القبول بقرار مجلس الأمن الأخير بمجرد صدوره، وهي التي ظلت ترفض القرارات ذات الصلة بالصراع خلال العقود الماضية، لو لم يجابه تفوقها العسكري بقوة ردع المقاومة اللبنانية. ومن هذه المعادلة يمكن أن تترسخ قيم الحق والعدل والسلام.