السياسيون العرب يرون الحرب على لبنان، من خلال مراكز تحليلاتهم، أنها بالنيابة عن أمريكا وإيران، أي: أن الدولة العظمى تريد قطع أحد أجنحة إيران بواسطة القوة العظمى في المنطقة؛ ليتيح لها تخفيف العبء بما يجري في العراق عسكرياً واقتصادياً، ويفرض على إيران مقايضة سلامة الحزب بوقف تخصيب اليورانيوم.
وإيران تريد أن تقول لإسرائيل وأمريكا معاً: إنها خط النار الأول في المنطقة، وإذا كان العرب وصلوا إلى حد التسليم بهزيمتهم، ومقايضة أمنهم بسلام الإذعان لقوتي التحالف الإستراتيجي الأمريكية والإسرائيلية، فإن حزب الله - الذي أصابت صواريخه قلب إسرائيل، بنقل المعركة لداخلها - جاء ليقلب معادلات القوة، ويجعل إسرائيل في مرمى الصواريخ مما يعزز الثقة بحروب أخرى؛ تهدم جدار الخوف؛ ولتكون إيران قطبه الفاعل والممول، ومركز ثقله بالصناعات العسكرية.
الأدباء العرب منقسمون على أنفسهم، يكتبون قصائد البطولة، ويشتمون الرجعية، والقطط السمان، وينسبون الهزيمة لتهميشهم، وإغلاق المنافذ في وجوههم. والفنانون يلبسون ربطات العنق السوداء، حزناً على الموتى. والفنانات - ممثلات ومغنيات - يعلّن الإضراب عن حضور الحفلات، أو الغناء إلا للمعركة. ورجال الأعمال يندبون حظوظهم بالاستثمارات العقارية في البلد الجميل. والحقوقيون يطالبون مجلس الأمن بتطبيق الشرعية الدولية بمعاقبة إسرائيل على جرائم الحرب. وبسطاء الناس يتظاهرون ويحرقون الأعلام، ويدوسون على صور زعامات أمريكا وإسرائيل، ويلعنون جبناء العرب.
أما طرفا النزاع في طهران وواشنطن، فإن لكل تفسيره الخاص بالحرب، أي: أن أمريكا تعلن مشروع شرق أوسط جديد، ومعالمه غير الواضحة أعطت الأمة العربية - من المحيط إلى الخليج - تفسير ما يجري بأنها (سايكس بيكو) جديد، تقسّم ما لم يُقسّم؛ لوضع حدود أخرى، وربما تكون هذه المرة بين إسرائيل وإيران؛ لأن قوانا المحلية والعربية ليست لديها طاقة لحماية حدودها، وبدلاً من وصاية دولية تحت مظلة الأمم المتحدة، تكون هذه المرة بحماية قوة إقليمية ودولية.
الرهان الآخر، أن إسرائيل وأمريكا سيخلقان حروباً أخطر بين الأقليات والأكثرية، من قوميات، ومذاهب، وقبائل، لكن أهم زلازلها ما سيكون حروباً أبدية بين السنة والشيعة، والعرب، والفرس، وهذا يجعل الأهداف المقبلة لإسرائيل وغيرها، أهم من سلام قابل للتآكل، سواء جاء من تكاثر العرب بمواجهة إسرائيل، أو حتميات أخري تفرضها الأرض والعقيدة، وهنا - أيضاً - تبرز معالم التطرف الإسلامي،، أي: أن قلب النتائج قد لا يأتي من التصورات، وإنما من مفاجآت قد تغير الخرائط من شرق أوسط جديد، إلى عالم إسلامي في مواجهة الغرب، وهذه الحتمية، وإن ظلت بعيدة إلى حد ما، فهي قابلة للانفجار، لأن أدواتها تمت تغذيتها من خصوم المسلمين بتل أبيب وواشنطن.