نحمل الجامعة العربية أو قياداتها من المسؤوليات ما لا يتحملونها أو ما هو فوق مستوى صلاحياتهم، نسارع مثلاً إلى تحميلها ما لا تتحمل لأن قراراتها في النهاية ما هي إلا انعكاس لمواقف دول الجامعة وليست لموقف جامعة الدول، وحين نقول دول الجامعة فإننا يجب أن نخص بالمسؤولية الدول الأكبر والأكثر تأثيراً وفي النهاية الدول الفاعلة في ساحة الجامعة.
وبعدما تقرر الأخذ بالأغلبية وليس بالإجماع، فبقدر الجوانب الإيجابية لهذا التعديل بما يمنع شلل اتخاذ أي قرار فيما لو اعترضت دولة واحدة عليه، بقدر ما يحمل من جوانب سلبية بما يمكن تسميته بدكتاتورية الأغلبية على الأقلية، بما يصيب إمكانية الفعل أو القرار بالشلل حينما تدعو لذلك دولة عربية غير كبرى.
مثلاً التحرك اليمني النشط منذ الأيام الأولى للحرب العدوانية الصهيونية علي لبنان بالمبعوثين وبالرسائل الشخصية من الرئيس اليمني للقادة العرب داعياً لعقد قمة عربية طارئة تصدياً للعدوان ودعماً للبنان.
لم تستجب له بعد عدة أيام، يذبح فيها الأطفال والنساء وتهدم فيها البيوت على المواطنين الأبرياء، إلا ست دول عربية فقط بينما يحتاج الأمر إلى موافقة 15 دولة! ومع أن عدم عقد القمة في مثل هذه المواقف، غيب دوراً عربياً مطلوباً في الصراع الدائر أمام العالم وأمام الرأي العام العربي، وخلق فراغاً مرفوضاً لولا أن ملأه انعقاد القمة الإسلامية، لكانت الصورة تنضح بالعجز عن الفعل والشلل عن الحركة!
ومع ذلك، سارع بعض أصحاب الرأي ليس بتحميل جامعة الدول العربية وليس دول الجامعة المسؤولية عن هذا العجز وهذا الشلل، بل وتحدث البعض عن مدى جدوى بقاء الجامعة بينما دعي البعض إلى استقالة أمينها العام اما حرصاً منه أو حرصاً عليه! بينما يدرك هؤلاء أن الأمين العام ليس له من الصلاحيات ما يمكنه من إجبار النظم العربية ذات الأجندات المتعددة علي عقد القمة، ولا باتخاذ قرار.
وبدلاً من توجيه الدعم من أجل صلاحيات أوسع للأمين العام نسارع فقط إلى تحميل شخصية واعية ومخلصة وشجاعة مثل «عمرو موسى» مسؤولية عجز غيره ويدعوه بعض المخلصين إلى الاستقالة، ونكتفي في النهاية بتوجيه اللوم بدلاً من تقديم الدعم .
المشكلة في النظام العربي الذي تعكسه الجامعة العربية، المحكومة بعدة نظم وليست الحاكمة بنظام واحد، تكمن في عدة دول لكل منها أجندتها الضيقة وارتباطاتها الخاصة وعلاقاتها الدولية الخاصة جدا في هذه الدولة أو تلك، وارتباطاتها الصحيحة أو الخاطئة باتفاقيات تخترق النظام العربي السياسي أو الاقتصادي .
ومع ذلك تبقى ضرورة الجامعة العربية أولى بكثير من غيابها بكل سلبياتها الحالية التي تتحمل مسؤوليتها النظم العربية وليس النظام العربي النابع من الحكومات وليس المعبر بشكل كافٍ ولا ديمقراطي عن إرادة الشعوب .
إن تباين سياسات النظم العربية وليس سياسة الجامعة العربية هو المسؤول مثلاً عن التطبيق الانتقائي لمعاهدة الدفاع العربي المشترك التي هي واحدة من أهم آليات الدفاع عن الأمة العربية والتي لولا وجود الجامعة ما تم توقيعها، وعن عدم تفعيلها للدفاع الآن عن فلسطين والعراق ولبنان ضد العدو الصهيوني
في حين تم تفعيلها فقط ضد الشقيق العربي، لا يعود إلى إرادة الأمين العام ولا إلى أهداف الجامعة، ولكن إلى عدم سماح النظم العربية بوجود جامعة قومية حقيقة تحمي الأمن القومي العربي الذي يتصور وهماً بعض الحكومات أن الأمن القومي يتناقض مع الأمن الوطني أو على الأقل ينفصل عنه،
بينما الوهم الحقيقي هو انه يمكن تحقيق الأمن الوطني دون استراتيجية دفاعية عربية واحدة، بآلية قادرة على الفعل السريع والمؤثر بما يجعل من أي عدوان أجنبي على دولة عربية واحدة عدوان على الدول العربية كلها ينبغي الرد الفوري عليه دون انتظار، وذلك وحده هو الكفيل بأن يكون لكل عدوان ثمن وبأن يكون للعرب حساب.
كما يمكن العرب جميعاً من منع الحروب علي دولهم من قبل أن تبدأ، والقدرة على حسم الحروب لصالحهم إذا فرضت عليهم كما حدث في حرب رمضان المجيدة. وهو الكفيل في النهاية بأن يكون للعرب وزن وتأثير في الحساب الدولي وكلمة مسموعة في المحافل الدولية دفاعاً عن قضاياهم العادلة،
لأن التوجه السياسي إلى مجلس الأمن دون غطاء كافٍ من القوة ودون قدرة جاهزة للردع العسكري ودون إمكانية الضغط الاقتصادي الجماعي على دول العدوان، لن يجبر المتجبرين في العالم على الاكتراث، لأن صناعة القوة هي الوسيلة الوحيدة لصناعة القدرة على التأثير السياسي،
وأن الاتحاد العربي الشعبي والرسمي في الهدف والصف تحت مظلة الجامعة العربية تكاملاً مع منظمة المؤتمر الإسلامي هو الطريق الوحيد لبناء هذه القوة السياسية، حتى لا يبقى القرار الدولي في مجلس الأمن تحت مظلة ما يسمى بالشرعية الدولية مختطفاً من العرب والمسلمين من جانب المستكبرين لتمرير مخططات الهيمنة والعدوان.
mamdoh77t@hotmail.com