ربما لأول مرة في تاريخها تبدو إسرائيل غير قادرة على توظيف الضوء الأخضر الذي منحته الولايات المتحدة لعملياتها العسكرية كما دأبت في حروبها السابقة مع الدول العربية، ففي عام 1967 استفادت اسرائيل من الضوء الأخضر الأميركي للمضي بمخططاتها الخاصة القاضية باحتلال أراض عربية، وفي عام 1982 استطاع شارون دخول بيروت وإخراج منظمة التحرير الفلسطينية.
بل يمكن القول ان قادة إسرائيل أكثر من اي وقت مضى في حالة ارتباك وعجز عن تحقيق حتى ما سمحت به الإدارة الأميركية أو بالأحرى ما طلبته منهم، وذلك في ظل عدم تحقيقهم انجازات مهمة على الصعيد الميداني. فإسرائيل التي تريد التخلص نهائيا من حزب الله بناسه وصواريخه، يقول خبراؤها إن ذلك أمر بعيد المنال ويتطلب تضحيات كبيرة، بينما يقول قادتها السياسيون إنها باتت على استعداد لتقديمها من خلال تضامن ووحدة جبهتهم الداخلية،
إلا أن إسرائيل تعلم أنها في صراع مع الزمن فإطالة أمد المعركة سيخلق حالة من الاستنزاف لن تكون لصالحها سياسيا على الصعيد العالمي، خصوصا في ظل استمرارها في قصف المدنيين والحصار على البلدات والمدن، وعلى الصعيد الداخلي
خصوصا ان هناك أوساطا في إسرائيل لا تريد العودة الى التجربة اللبنانية السابقة. كما ان الاستيلاء على الأراضي اللبنانية حتى حدود الليطاني يعني زيادة انتشار قواتها وتعرضها للمزيد من الخسائر على الأرض خصوصا وان أهداف المعركة بتخليصها من صواريخ حزب الله غير واضحة بعد او مضمونة النتائج، وتحديدا لأنه مستقبلا سيكون عليها إخراج قواتها من لبنان.
لم تنتظر بعض الدول الغربية كثيرا لتهب لنجدة إسرائيل، فها هو قرار مجلس الأمن 1701 الأخير يعدها بأكثر مما حققته على ارض الواقع كما كان القرار الفرنسي الأميركي قبله. كما ان اسرائيل استطاعت مع كل المجازر التي اقترفتها ان تخرج دون أي إدانة، فهي لم تواجه تنديدا دوليا بمجزرة قانا
ولم تلحظ تحقيقا دوليا باستهداف المدنيين على الرغم من الإحراج الكبير الذي سببته مجزرة قانا لإسرائيل عام 1996، وأميركا تؤكد على دعمها الكلي لإسرائيل، بل تبدو المعركة أكثر من أي وقت مضى هي معركة أميركية دولية لاعتبارات تتخطى الساحة اللبنانية الى الساحة الاقليمية. فهل مازالت المعركة في بداياتها؟
من الواضح أن إسرائيل تعمل على الاستفادة من القرار الدولي لتحسين مواقعها على الأرض وهي تقوم بتضييق الحصار على المنطقة حتى نهر الليطاني من خلال سلاح الجو مع محاولة للسيطرة على مواقع مطلة على بلدات الجنوب كسيف مسلط عليها، متشدقة بأن ما تقوم به هو تطبيق للقرارات الدولية، ويالها من سخرية! ليس فقط خلق منطقة خالية من السلاح كما ينص عليه القرار الدولي بل العمل على ربط انسحابها بالمطالبة بنزع سلاح حزب الله.
لقد تعاطى حزب الله داخلياً بشكل يدعو الى الاطمئنان، وبمساعدة القيادات اللبنانية يجري الحفاظ على التماسك الداخلي. كما ان حزب الله وافق على انتشار الجيش اللبناني في الجنوب بعد شهر من القصف الدامي على القرى الجنوبية والضاحية الجنوبية والبقاع، وهي المواقع التي يحظى فيها الحزب بشعبية وانتشار.
والواقع انه وان قاد الحزب معارك شرسة استطاع فيها تحقيق نوع من الانتصار على الجيش الاسرائيلي، إلا ان الحزب يعلم تماما ان هذا الامر كان باهظ الثمن كثيرا على الشعب اللبناني. والى جانب الأوضاع الداخلية تبقى أمام حزب الله معركة أخرى عليه أن يخوضها. فقد توجه الأمين العام للحزب الى الاسرائيليين في احد خطاباته الأخيرة مؤكدا، بين الترهيب والترغيب، أن استهدافهم هو رد فعل للقصف الذي يتعرض له المدنيون في لبنان داعيا اياهم للاستجابة للمعالجات السياسية. ولكن هل يكفي ذلك؟
اليوم هناك تخوف حقيقي من ان تشهد الأوضاع السياسية في اسرائيل توجها نحو المزيد من التطرف، وهناك في المقابل امكانية لقيام حركة معادية للحرب بدأت بالتطور عالميا. وقد يكون السلاح الأمضى لإنهاء المعركة هو الرأي العام الإسرائيلي، ومدى اندفاعه للحرب او معاداته لها
خصوصا وان البقاء في الجنوب سيكون باهظا على جنوده. فما هي المواقف التي تسمح بدعم حالة معادية للحرب في إسرائيل، وهذه كانت أساسية في عملية الانسحاب من لبنان عام 2000؟ فماذا بإمكان حزب الله أن يقدمه في هذا السياق للرأي العام الإسرائيلي على صعيد خطابه السياسي وسلاح صواريخه؟