بعد أن أدانت المحكمة سقراط بتهم مشكوك في صحتها، خطط أصدقاؤه لتهريبه من السجن في أثينا. لكن الفيلسوف رفض الفرار، مصراً على أن المواطن الذي اختار العيش في مجتمع يقوم على التراضي المتبادل لا ينبغي أن ينتقي هو القوانين التي يحلو له إطاعتها دون غيرها.
وحذر سقراط من أن الالتزام الانتقائي بالقانون من شأنه تقويض التماسك الأخلاقي للنظام القضائي برمته، مما سيتسبب بالفوضى السياسية والاجتماعية. وهكذا، كما يروي لنا أفلاطون، قبل الفيلسوف أرسطو بحكم المحكمة القاضي بإعدامه، وشرب السم القاتل.
يحمل هذا الدرس الأخير لأرسطو حول قدسية القانون عبراً مهمة لنا الآن في مناظراتنا الراهنة حول الهجرة غير الشرعية. هناك بالطبع اعتراضات كثيرة على الهجرة غير الشرعية، فضلاً عن كونها ضد القانون: فالعمال غير القانونيين يقوّضون أجور مواطنينا العمال لدى التحاقهم بالعمل الجديد. وأرباب العمل الذين يعتمدون على العمالة المستوردة يجدون أرضية مشتركة مع ذوي النظرة العرقية الضيقة؛ فكلاهما يستغل جمهوراً كبيراً ضعيفاً وغير مندمج مع بقية شرائح السكان.
ويحذر خبراء من أن من الجنون ترك حدود بطول 2000 كيلومتر مفتوحة في وقت يخطط المتسللون الإرهابيون لقتلنا، لكن قلائل فقط انتقدوا الهجرة غير الشرعية لمجرد أن ملايين الناس هزئوا من القانون أو افلتوا من المحاسبة - بمن فيهم المهاجرون غير الشرعيين أنفسهم وأرباب العمل الذين يشغلونهم والمسؤولون الذين يغضون النظر عنهم.
المهاجر غير الشرعي القادم من المكسيك يختار القوانين الأميركية التي تناسبه. وهو يريد من خفر الحدود أن يتركوه وشأنه إلى أن يضل سبيله في الصحراء أو يهاجمه اللصوص وقطاع الطرق، ورب العمل يتوقع فرض قوانين التعدي على حرمة أملاك الغير لإبقاء المشردين والسكيرين بعيداً عن أراضي مصنعه أو مزرعته، ثم يتوقع من نفس شرطة الحراسة هذه أن تتجاهل الوضع القانوني لقوته العاملة الرخيصة.
هل يستطيع مجلس البلدية الذي يصدر تعليماته لرجال الشرطة بعدم تسليم أي مهاجرين أجانب غير شرعيين إلى حرس الحدود أن يسمح لسكان البلدة بتجاهل فواتير الضرائب المستحقة للبلدية. وعندما يقوم آلاف الأشخاص بقيادة سيارات بدون رخص معترف بها بالولاية أو تأمين للسيارات، فلماذا يكترث السائقون الآخرون بدفع رسوم الرخصة أو حتى تأمين سياراتهم؟
وإذا كانت الشرطة نفسها، عندما توقف أية سيارة لأي مخالفة، لا تتحقق من الوضع القانوني للأجانب، فلماذا تلاحق المواطنين المطلوبين للعدالة؟ إن تجاهل القانون لا يعكس النفاق والفوضى السياسية فحسب، بل ويخلق أيضاً حالة من السخرية والتشاؤم.
قبل أيام سمعت أصدقاء يتحدثون عن كيف وجهت الحكومة لعدد من المهاجرين الهنود اتهامات بترتيب الزواج من مواطنات أميركيات بشكل صوري للحصول على حقوق المواطنة. تساءل صديقي على سبيل المزاح الممزوج بالجد لماذا لم يسافر المتهمون جواً إلى المكسيك ليعودوا بعد ذلك متسللين عبر الحدود، وبذلك تتوقف السلطات عن ملاحقتهم.
إذن، إلى جانب الأموال التي يجنيها البعض على جانبي الحدود، لماذا نستخف بقوانين الهجرة؟، هل القوانين نفسها خاطئة وقاسية، وحتى لو كانت كذلك، هل من الأخلاق تجاهلها؟ الإجابة هي لا ولا. إن توظيف العمال غير الشرعيين يؤدي إلى انخفاض مستويات أجور العمال القانونيين الفقراء. كما أن تجاوز طابور الهجرة بكل بساطة هكذا فيه ظلم للمهاجرين الذين ينتظرون سنوات طويلة لدخول أميركا بصورة شرعية.
المكسيك تريد المال الذي يرسله مهاجروها غير الشرعيين للتغطية على إخفاقاتها الاقتصادية في الداخل، لكنها لا تكترث لحجم الأعباء التي تشكلها هذه الحوالات على عمالها المهاجرين ذوي الدخل المتدني في الخارج. وبعبارة أخرى فإن خرق قانون الهجرة ليس عصياناً مدنياً، بل تعبير عن النفعية الذاتية المبتذلة للعمال وأرباب العمل والمسؤولين الحكوميين.
لكن مع ذلك، فإن ما يميز الولايات المتحدة عن الأمم الأخرى هو حرمة نظامها القانوني. وربما لا يمكن التمييز بالنظر بين التضاريس في المكسيك والتضاريس في المناطق الحدودية الأميركية. لكن عندما يتعلق الأمر بالقانون هناك هوة شاسعة بيننا.
فقط على الجانب الأميركي من الحدود، تتوفر حرمة الممتلكات الخاصة، ومساءلة الشرطة أمام القانون والشفافية في التعاملات المصرفية. التوظيف في القطاع العام في أميركا يقوم على أساس قانون الخدمة المدنية والقضاة يتمتعون بالاستقلالية الكاملة.
والجمهور الأميركي يمتلك الحق القانوني بالتحقيق مع الحكومة أو حتى مقاضاتها. وتساعد متاهة الاعتبارات القانونية في تفسير كل شيء من لماذا تعتبر مياه الشرب في سان دييغو أكثر سلامة مما هي عليه في تيجوانا إلى لماذا يكسب العامل 12 دولاراً في فريزنو، ودولاراً واحداً في أواكساكا.
لكن حالما نختار نحن كأمة أن نتجاهل القوانين التي تشكل حجر الزاوية لسيادتنا ومواطنتنا، فسوف ينهار صرح نظامنا القانوني الذي كان في يوم من الأيام منزهاً عن الشبهات. والمفارقة، أننا لن نعود عندها مختلفين عن تلك الأمم التي يفر منها الآن مواطنوها إلى شواطئنا هرباً من أهوال غياب القانون.
هذه المخاوف هي التي دفعت سقراط، قبل 2400 سنة، إلى تعليمنا أن الانتهاك المتعمد لحكم القانون كان يمكن أن يكون أسوأ لأثينا القديمة من خسارة أعظم فلاسفتها.
خدمة «لوس أنجلوس تايمز»
خاص بـ «البيان»