لم تنج الحكومة الإسرائيلية من تفاعلات الحرب على لبنان وتأثيراتها على الوضع الداخلي في إسرائيل، فكلمات التهييج الهستيرية التي صدرت عن ايهود أولمرت وباقي الكتل الحزبية الإسرائيلية أثناء الجلسة الأخيرة من أعمال الكنيست، محاولة مدروسة من ايهود أولمرت في سياق اعادة تحشيد المجتمع الإسرائيلي وراء مشروع الحرب على لبنان، التي طالت دون نتائج ملموسة.
فالخطابات التي رافقت اجتماعات الكنيست مثلت خطاباً موجهاً للداخل الإسرائيلي قبل أن تكون موجهة للعالم وللأسرة الدولية، خصوصاً بعد بروز ظاهرة «تضعضع» الجبهة الداخلية الإسرائيلية من خلال حركات «السلام» الإسرائيلية التي نزلت بجمهورها نحو ميدان رابين في قلب تل أبيب، مطالبة بـ «وقف الحرب فوراً» و «العودة إلى منطق المفاوضات باعتبارها الطريق الوحيد لحل كل القضايا المتعلقة بالصراع بين لبنان وإسرائيل».
فالتفاعلات الجارية داخل إسرائيل تذكرنا بالتفاعلات ذاتها التي وقعت أثناء وبعد اجتياح العام 1982، فقد نزل في حينها أعضاء حركات «السلام الإسرائيلية» إلى الشارع، والى ميدان ملوك إسرائيل في تل أبيب، وبالقرب من مبنى الكنيست في القدس الغربية، مطالبين بالوقف الفوري للحرب والانسحاب من لبنان.
والتاريخ يعيد نفسه الآن بصورة تراجيدية بعد أن سبق وفشلت إسرائيل في إخضاع لبنان واللبنانيين لمنطقها ومشيئتها الخاصة، فسقط اتفاق الإملاء المسمى باتفاق مايو 1983، وهزمت أساطيل حلف الأطلسي الأميركية والفرنسية والبريطانية ومعها الوحدة الايطالية، وهربت القوات المتعددة الجنسيات من بيروت عبر البحر، تجر وراءها قتلاها وهزيمتها،
ولم تستطع البارجة الأميركية الشهيرة (نيوجرسي) أن تفعل شيئاً مع انطلاق حممها باتجاه بيروت والجبل. فقد صبت في حينها البارجة نيوجرسي قذائفها ذات الوزن الثقيل من رتبة (2000) باوند، وصمدت القوى الوطنية اللبنانية، ولم يتمكن أحد من تمرير اتفاقات ظالمة على الشعب اللبناني.
ان حفل الكنيست في الصياح والهياج أثناء اجتماعه الأخير، والمزايدات المتبادلة بين كتل الأحزاب الإسرائيلية، خصوصاً بين كتلتي كاديما بزعامة ايهود أولمرت، والعمل بزعامة عميرا بيرتس من جانب، وكتلة الليكود بزعامة بنيامين نتانياهو، وأحزاب اليمين التوراتي من جانب أخر، تؤشر على مدى الإرباك الإسرائيلي في تحقيق الحسم على الأرض في معركة لبنان.
فالوقائع على الأرض تؤكد بأن الجسم العسكري والتنظيمي لحزب الله مازال سليماً ومعافى تماماً بغض النظر عن تفاوت غزارة إطلاق الكاتيوشا على شمال فلسطين من يوم لأخر، وأن المراهنات على إعادة خلط الأوراق وتخريب الأوضاع الداخلية داخل لبنان فشلت تماماً، بالرغم من الدمار الهائل الذي لحق بالبنية التحتية للبنان، والمنهج التعويضي الذي تلجأ إليه قوات الاحتلال في القصف الجوي للمواقع المدنية وللقرى الآمنة.
ان كلا من اليهودي الاشكنازي الأميركي الأصل ايهود أولمرت، واليهودي السفارديمي المغربي الأصل عميرا بيرتس، القادمين إلى موقع القرار الإسرائيلي من خارج مؤسسة الجيش، يريد كل منهما أن يثبت، بأن السياسيين من خارج مؤسسة الجيش لا يقل الواحد منهم في تطرفه، وفي رؤيته عن ما يحمله السياسيون القادمون إلى مواقع القيادة من داخل المؤسسة العسكرية.
وعليه فان وزير الحرب الإسرائيلي عميرا بيرتس يريد أن يظهر نفسه تحت لبوس «السياسي المثقف، والمحكوم لمنطق القتال عند الحاجة»، كما كان حال شمعون بيريس زعيم «اليسار الصهيوني» الذي ارتكبت في عهده في رئاسة الوزارة، مجزرة قانا الأولى أثناء عدوان «عناقيد الغضب» عام 1996. وسواء جاء أي منهما من أي من المؤسستين الفاعلتين في إسرائيل، فان المقاومة على الأرض وحدها تكتب سطر الكتاب الأول من سفر إعادة تكوين لبنان الوطني المقاوم.
ان استدعاء الاحتياط البشري للجيش الإسرائيلي، ودفع المزيد من الوحدات البرية وفرق المشاة التابعة لقوات جيش الاحتلال باتجاه عبور الخط الأزرق، وتطويق بعض القرى الجنوبية من لبنان الواقعة على خط التماس مع فلسطين المحتلة عام 1948 كـ (عيتا الشعب، علما، حولا، مروحين، كفر كلا، العديسة، بنت جبيل، يارون ) يأتي في سياق قرار الكنيست بمواصلة الحرب العدوانية على لبنان،
وفي اطار حفلة المزايدات التي ضجت بها قاعة الكنيست الإسرائيلي في القدس الغربية، فبات كل من ايهود أولمرت، عميرا بيرتس، يحمل كل منهما بين فكيه أسناناً من أسنان القواطع، التي لا علاقة لها بطبيعة البشر، وجنوحاً فاشياً متزايداً ليس له علاقة بأخلاق الإنسانية.
وعليه، فان تواتر الإطلالات الإعلامية على الجمهور الإسرائيلي من قبل أولمرت، يأتي في إطار الجهد الإعلامي الذي يعمل أولمرت على توفيره لنفسه ولتحالفه الائتلافي المعرض للانتكاس، استباقاً وخوفاً من تطور انعكاسات الحرب في لبنان وتفاعلاتها داخل إسرائيل، مع تزايد أعداد القتلى الإسرائيليين، خصوصاً من جنود لواء جفعاتي وأشلائهم المتطايرة،
ووصول وجبات الكاتيوشا حتى مدينة بيسان شمال الضفة الغربية ومناطق متفرقة من هضبة الجولان السورية المحتلة، وحزب الله والمقاومة اللبنانية يعلنان على لسان الأمين العام حسن نصر الله عن امكانية قصف تل أبيب بالكاتيوشا في حال تعرض بيروت للقصف الجوي الإسرائيلي، بالرغم من الادعاءات الإسرائيلية التي تكرر القول بأن ذراع حزب الله الصاروخية تم «شلها» وإبعادها عن ساحة الفعل والتأثير.
وخلاصة القول، ان خطوات أولمرت في محاولاته لتحقيق الحضور والإسناد الشعبي في حربه على لبنان، ليس أكثر من «صرعات بروبوغندا إعلامية» تتوجه إلى المجتمع اليهودي بروح شعبوية، استباقاً من المرحلة التالية التي يتوقع فيها أولمرت أن يحصد ثماراً مرة، ترسم مستقبله السياسي بعد تداعيات الحرب الفاشلة على لبنان.
فمعركة لبنان لم تنته بعد، ونتائجها لم تتضح في معالمها الأخير، لكنها بدأت ترتسم رويداً رويداً على أرض الواقع، مبشرة بانتقال تأثيراتها القوية إلى قلب الحياة السياسية داخل الكيان الصهيوني، مع بدايات طرح الأسئلة المتعلقة بمصير العنف ومنطق القوة، وهو المنطق الذي مازال يحكم الفكر السياسي الإسرائيلي.
كاتب فلسطيني ـ دمشق