عفواً لبنان ومعذرة، فجراحك ما زالت تنزف، والألم تمدد في جسدك، الألم الذي تغلغل إلى سويداء القلب، ألمٌ ولّد سحباً سوداء ممزوجة بالحزن وببارود القذائف والمدافع، ألمٌ حجب الحياة عن لبنان، الأم تبكي دماً على طفلها المقتول، والنساء تصرخ بأعلى صوتها حتى ينقطع نادبةً حال النكسة التي يعيشونها، وزهور الشباب في لبنان تقصف على يد الكيان الصهيوني الذي يعتدي عليهم بشكلٍ عنيف منذ عدة أسابيع.

وبعد مرور شهر على هذا العدوان الإسرائيلي الغاشم على لبنان السلام ما زال حزب الله صامداً في وجه الآلة العسكرية الإسرائيلية التي تواصل وبحقدٍ شديد قصف المدن والقرى اللبنانية التي تعج بالأفراد المدنيين الذين لم يقترفوا أي ذنبٍ سوى أنهم سكانٌ مسالمون لهذه الأرض.

لقد كان هنالك اعتقاد منتشر بكثرة في أوساط الإسرائيليين أن عملية اجتياح لبنان والقضاء بيد من حديد على قوى المقاومة فيه لن تستغرق إلا بضعة أيام فقط وهي أشبه بأكل قطعة من الكعك. إلا أن صمود حزب الله حتى الآن سبب صدمة لإسرائيل وصداعاً في الرأس أدى إلى تبخر أحلامهم باجتياح الجنوب اللبناني وبذلك ذهبت أحلام اليقظة الإسرائيلية في مهب الريح.

لا يستطيع أحد أن ينكر فظاعة أعمال إسرائيل الوحشية في لبنان فهذا واضحٌ لنا بشكلٍ جلي من خلال المشهد الدموي الذي تلونت به شاشات وصفحات الإعلام المرئي منها والمقروء. فصور جثث القتلى من الأطفال الرضع والنساء تظهر لنا ليل نهار وهي تنتشل من بين أنقاض المباني والمنازل. فلا لوم إذاً على القلب إذا ما تقطع غيظاً واعتصر ألماً ونزف دماً.

في ظل هذا القصف الجائر على لبنان وشعبها لم نجد على الساحة العالمية أي موقف دولي يتبنى هذه المأساة ويحتضنها وذلك للحد من بشاعة الأعمال الإسرائيلية فيها. فالأمم المتحدة عاجزة تماماً عن ممارسة دورها بفعالية كمنظومة أممية تهدف بالدرجة الأولى إلى تحقيق الأمن والسلام العالميين عن طريق إخماد نار الحروب وحل النزاعات بالطرق السلمية.

لكنها وللأسف لم تستطع بلوغ مرامها السامي في مسألة العدوان على لبنان حتى ولو على الأقل بوقفٍ مؤقت لإطلاق النار بين أطراف النزاع وكبح جماح الاندفاع العسكري الإسرائيلي نحو الجنوب اللبناني. وحقيقة الأمر أن هذا العجز الذي تعاني منه منظمة الأمم المتحدة يفسر ويبرر نتيجة وجود خلل في النظام الدولي الجديد بصورةٍ عامة.

فعند انتهاء الحرب العالمية الثانية في عام 1945 تشكلت مرحلة جديدة في العلاقات الدولية تغير فيها شكل النظام الدولي السابق وهي المرحلة التي عرفت بـ (الحرب الباردة) ومن خلال هذه المرحلة الجديدة لما بعد الحرب العالمية الثانية برزت قوتان عالميتان أصبحت سيطرة العالم في أيديهما وهما الولايات المتحدة الأميركية وعرفت آنذاك بـ (المعسكر الغربي) والاتحاد السوفييتي والذي عرف بـ (المعسكر الشرقي).

وبوجود هاتين القوتين أصبح شكل النظام الدولي ثنائي القطبية Bipolar System ولقد استمر شكل النظام الدولي على هذه الصورة فترة من الزمن غلب عليها طابع الصراع والتنافس بين أميركا والاتحاد السوفييتي حتى جاءت السنة التي آل فيها الاتحاد السوفييتي إلى السقوط عام 1991. وبعد سقوط القطب المنافس لأميركا طرأت تغييرات جديدة في العلاقات الدولية

وذلك بأن تحول شكل النظام الدولي إلى نظام أحادي القطبية Unipolar System وهو النظام الذي يقع تحت سيطرة دولة واحدة تصبح قوة عالمية تحكم العالم في قبضة يدها وهي الولايات المتحدة الأميركية. وما زال النظام الدولي منذ سقوط الاتحاد السوفييتي على شكله الأحادي حتى يومنا هذا.

وبعد تبوء الولايات المتحدة رئاسة النظام الدولي بانفراد تام بدأ دور الأمم المتحدة يتقلص ويضعف وذلك لتأثير دولة القطب الأحادي على نشاطاتها وأجهزتها الإدارية. رغبةً منها في تسيير مصالحها تحت غطاء شرعية منظمة الأمم المتحدة.

ومع الهجمات الإسرائيلية التي ترمي إلى تقطيع أوصال لبنان تقلد الصمت والتقاعس زمام الأمور، وهذا للأسف جاء على المستوى العربي ولحقه كذلك الدولي إلا أن رئيس فنزويلا «هوغو شافيز» بادر بالقيام بخطوة إيجابية فعلاً تجاه الجرائم الإسرائيلية في لبنان وذلك بأن قام بسحب سفير دولته لدى إسرائيل احتجاجاً على ما تقوم به إسرائيل في جنوب لبنان. هذا هو شافيز يقوم بما يتوجب على العرب وكل الشرفاء في العالم القيام به حتى ولو كان هذا أضعف الإيمان.

وإن صمود حزب الله في وجه ترسانة إسرائيل العسكرية هذه الفترة يأتي دليلاً وحجة قوية استطاعت أن تنسف وتدحض كل مزاعم الأسطورة الإسرائيلية التي عششت في أذهان العالم العربي والتي تقول بأن إسرائيل لا يمكن هزيمتها. فإسرائيل تحاول جاهدةً أن تعزز وتكثف وجود ثقافة الهزيمة في العقول العربية على جميع المستويات والفئات وهذا بالطبع جزء لا يتجزأ من خطة حرب إسرائيل النفسية.

إن تمادي إسرائيل اللامحدود في استباحة الأراضي العربية ذات السيادة الشرعية ومحاولتها في اغتصاب الحقوق وسلب أشكال الحياة من الإنسان في لبنان وغيرها من الأراضي المنكوبة لهو أمرٌ يترتب عليه بلا شك تداعيات ومضاعفات خطيرة نتجت عن الجرح اللبناني والجروح التي سبقته في العراق وفلسطين

والتي قد لا تتعافى حتى ولو تم علاجها بمضاد القوات الدولية متعددة الجنسيات، لأن وصول هذه الأزمات إلى هذا الحد المعقد والخطير من التصعيد العسكري يجعل منطقة الشرق الأوسط بؤرة للعنف المستشري على أرضها ويضعها على كف عفريت.

فالكيان الصهيوني بكل ما يقوم به من ممارسات بربرية يؤثر سلباً على وضع وهيبة القانون الدولي والذي تكرس إسرائيل جهودها لتقويضه من خلال اختراقها لقواعد هذا القانون وتجاوزه، وعدم الاكتراث له بتاتاً فهي تطالب وتنادي بتطبيق القرار رقم 1559 وتتجاهل بالمقابل القرارات الدولية الأخرى.

كما أن الأعمال البربرية التي تحمل كل معاني «العنف والإرهاب» والمتجسدة في ممارساتها في لبنان وفلسطين من شأنها أن تزعزع استقرار أمن المنطقة، أضف إلى ذلك تأجيج نار العنف والإرهاب من قبلها والذي تتخذه إسرائيل نهجاً معتمداً لا يمكن تبديله في ممارساتها تجاه العالم العربي والتي تخط به تاريخها بكل قطرة دم تقطر من طفلٍ بريء.

قسم العلوم السياسية

جامعة الإمارات

ali_alahbabi@hotmail.com