تحت قرقعة القنابل الإسرائيلية النازلة على رؤوس الأبرياء في لبنان وفلسطين وأمام مشاهد الدمار البربري للإرهاب الصهيوني على شاشات التلفزيون وفي بيتي في باريس أخذت أراجع أرشيفاتي الشخصية التي كنت على مدى ربع قرن أخطها على أوراق الأجندات السنوية يوما بيوم حين أقابل بعض أصحاب القرار وأستدرجهم للحديث عن تصوراتهم ورؤاهم حول مصير العرب في عالم الغد،

وكنت في عهد سابق أتحمل بعض المسؤوليات السياسية والبرلمانية والإعلامية وأمثل وطني في المؤتمرات الدولية أو أرافق رئيس حكومة تونس آنذاك إلى اجتماعات القمة العربية والإفريقية أو الزيارات الرسمية لعديد من الدول في أميركا وأوروبا، واكتشفت بالحدس أن تلك المناسبات فرص ثمينة لاستشراف المستقبل لا من خلال التخمين والحسابات الوطنية والقومية الضيقة،

بل من خلال اعترافات أولئك الذين يصنعون الحدث ويوجهون دفة الحكم ودفة الرأي العام في الغرب. والعجيب أني أكتشف اليوم وفي صيف 2006 ونحن نمر بمحنة قاسية بأن عددا من مذكراتي المطوية والمنسية تستعيد كل قوتها وترتبط بأحداث الساعة الراهنة وتسلط الأضواء الكاشفة على ما يجري أمام عيوننا من حروب جائرة وما يعانيه العرب من حالات العجز والهوان وفقدان البوصلة.

و لعل أول ما عدت لقراءته تلك الأحاديث التي كانت لي عام 1984 في مقر البنتاغون حينما دخلت لأول ولآخر مرة تلك القلعة الخماسية الأضلاع حسب موعد نظمه لي مع مسؤولين عن التوقعات الاستراتيجية بوزارة الدفاع الأميركية صديقي عالم الاقتصاد والمرشح للرئاسة الأميركية ليندن لاروش وكان آنذاك على علاقة سياسية حميمة مع الرئيس رونالد ريغان وهو الذي أعد له برنامج حرب النجوم،

كما أن ذلك الموعد ساعدني على تأكيده سفير الولايات المتحدة بتونس في مطلع الثمانينات بيتر سيباستيان وهو مثقف مستعرب ودبلوماسي ذكي، تم تعيينه بعد سفارة تونس في منصب المسؤول عن ملفات الحركات الإسلامية في العالم في صلب وزارة الخارجية الأميركية وكانت لي مع هذا الرجل مساجلات في تونس كنا خلالها أنا وهو نحاول مقارنة قراءاتنا المختلفة لقضايا العلاقات بين الإسلام والسياسة.

نعود إلى البنتاغون حيث استقبلني مسؤول في وسط العمر ولكن في نضج التجربة اسمه الحقيقي أو المنتحل جامس كولبري، وقدم لي على شاشة صغيرة خارطة الحضور الأميركي والأطلسي في كل مناطق العالم بنقط حمراء إشارة للتواجد العسكري وبنقط زرقاء إشارة للتواجد الاقتصادي وبنقط خضراء إشارة للتواجد الاستراتيجي التي تعني بلا شك الحضور المخابراتي.

وعجبت للانتشار الأميركي الواسع ولكن في ذلك العهد لم يكن الاتحاد السوفييتي انفجر بعد حيث كانت الحرب الباردة تعيش آخر أيامها. وسألت المسؤول عن التوقعات من خلال التقارير التي يتصل بها كيف يتوقع أن يكون العرب في السنوات القادمة وكانت منظمة التحرير الفلسطينية ما تزال مقيمة في تونس ضيفة على بورقيبة،

فقال الرجل وهو يمسك بعصا صغيرة يحركها على خارطة العالم: إننا نحن في الولايات المتحدة لدينا عقيدة ثابتة منذ نصف قرن، هي التي تملي على كل رؤسائنا ديمقراطيين كانوا أم جمهوريين سياساتهم الخارجية وبخاصة إزاء العالم العربي وهي أننا نعتقد بأن خارطة الشرق الأوسط الراهنة هي خارطة أوروبية. فقلت له كيف ذلك؟

فأجاب: كل الدول المتعايشة في الشرق رسمت حدودها في معاهدة سايكس بيكو يوم 16 مارس 1916 بالقلم والمسطرة من قبل وزيري خارجية فرنسا وبريطانيا حين قررت الإمبراطوريتان المتهالكتان التمديد في عمر الاستعمار المباشر، وشرعت السياسة الأميركية منذ الرئيس وودرو ويلسن في مناهضة الاستعمار والانتصار لحق تقرير المصير الذي فرضته واشنطن وحدها على ميثاق منظمة الأمم المتحدة.

ومن هنا جاءت مواقف واشنطن المعارضة للاستعمار الفرنسي للمغرب العربي ولقاء الوزير دين أتشيسن بزعماء المقاومة هناك وفي مقدمتهم بورقيبة وفرحات عباس والملك المغربي المنفي في مدغشقر محمد الخامس، ومن هنا جاءت أيضا مواقف الرئيس ايزنهاور لوضع حد للعدوان الثلاثي الإسرائيلي الفرنسي البريطاني على السويس في أكتوبر 1956.

كل مواقفنا جاءت للرد على الاستعمار الأوروبي ونجحنا لأننا نحن الذين حررنا أوروبا من النازية ثم شكلنا مخطط مارشال لإغاثة القارة العجوز وإنقاذها من الفقر والجوع والتخلف. فكيف نرضى بعد ذلك بخارطة للعالم رسمتها أوروبا لخدمة مصالحها دون الرجوع إلى القوة الأعظم المسؤولة حتى على أمن أوروبا وسلامتها وتقدمها؟ وسألت السيد كولبري عن المستقبل فقال: إننا سنعيد رسم الخرائط وفقا لمصالحنا نحن لا وفقا لمصالح أوروبا فالعصر عصرنا والتفوق إلى جانبنا وأوروبا هي التي تسعى وراءنا لا العكس.

واليوم حين تقف السيدة رايس في ختام أعمال مؤتمر روما لتعلن بأن الحرب الدائرة في لبنان وفلسطين هي التي سيولد من رحمها الشرق الأوسط الجديد، فهي بالنظر إلى ما أوردته للقراء الكرام تواصل التعبير عن نفس السياسة الأميركية الثابتة منذ نصف قرن ونحن العرب وحدنا الغافلون.

وأنا أذكر ما كان يقوله لي دائما صديقي الكبير وزير الخارجية الفرنسية والعدو اللدود للدبلوماسية الأميركية السيد ميشال جوبار عندما نلتقي كل أسبوع نتغدى في مطعم سان فرنسيسكو بباريس من أن واشنطن تهدف إلى إعادة رسم الخارطة الشرق أوسطية حسب مفاهيم المدرسة الأميركية وكان يقول لي منذ الثمانينات بأن أميركا تريد بالضبط تقسيم العراق إلى ثلاث كنتونات وتقسيم الجزيرة العربية إلى دويلات مختلفة عن الوضع الراهن وإعادة إلحاق لبنان بالشام القديم

كما كان لكن بدون نظام سوريا الحالي وإعادة دولة تركستان إلى الوجود على حساب سوريا وتركيا والعراق وتجميع قوى ضخ النفط تحت حماية إسرائيلية بعد سقوط الشرطي الإيراني عام 1979 وترشيح مصر إلى دور إقليمي فعال بعد تخليها عن الارتباط العروبي والإسلامي.

إنني أستعيد كل هذه المذكرات حتى أنير عتمات ما تزال خافية عن الضمير العربي ، وأذكر حديثا جرى عام 1996 في بيت الدبلوماسي القطري الفاضل أبوناصر آل خليفة حين كنا نتغدى مع المناضل الجزائري القدير عبدالعزيز بوتفليقة (بالطبع قبل رئاسته للجمهورية)

وكان معنا الشيخ علي آل ثاني الذي أثار تخوفات من التواجد المكثف للجالية الهندية في الخليج، فقال ساعتها بوتفليقة بصراحته المعهودة: لو كنت مكان الأخوة الخليجيين لكنت شديد الحذر من مخاطر التركيبة السكانية الراهنة لأن الهند اليوم حليفة استراتيجية لواشنطن وهي قوة نووية واقتصادية وصناعية وتكنولوجية صاعدة، ولا أستبعد أن تفكر الولايات المتحدة في جعل الهند غدا وصية على الخليج العربي بدعوى حمايته من الهيمنة الإيرانية.

وكنت أنا من مساندي بوتفليقة في هذه الرؤية المستقبلية المتشائمة لأني وبوتفليقة في ذلك الوقت واعون بمخطط إضعاف العالم العربي وإرادة تذييله بواسطة الذراع الإسرائيلية الطيعة! هذه بعض ملامح ما أعلنته السيدة رايس من ولادة الشرق الأوسط الجديد من خلال حرب إبادة أخرى تستهدف من العرب الروح والإرادة والمقاومة.

كاتب تونسي

alqadidi@hotmail.com