في واحدة من تجلياته التي يتحفنا بها من آن لآخر، أضاف الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش مصطلحا جديدا إلى حربه التي يخوضها ضد الإرهاب عندما وصف الإرهابيين بـ «المسلمين الفاشيين» في آخر تصريح له معلقا على إعلان السلطات البريطانية يوم الخميس الماضي أنها أحبطت خططا لتفجير تسع طائرات في الجو خلال رحلاتها بين بريطانيا والولايات المتحدة، واعتقالها 24 شخصا ينتمون للجالية المسلمة.
جميل أن يعيدنا الرئيس الأميركي إلى التاريخ والأيديولوجيا. أما التاريخ - الذي ننصح السيد الرئيس بقراءته ـ فيقول إن مصطلح الفاشية Fascism مشتق من الكلمة الإيطالية Fasces التي تعني حزمة من الصولجانات كانت تحمل أمام الحكام في روما القديمة دليلا على سلطاتهم. وأما الأيديولوجيا - التي ننصحه بدراستها ـ فتقول إن كلمة Fascia قد استخدمت في تسعينات القرن التاسع عشر في إيطاليا لتشير إلى جماعة
أو رابطة سياسية عادة ما تتكون من اشتراكيين ثوريين، وقد وظفها « موسوليني » لوصف الجماعة البرلمانية المسلحة التي شكلها أثناء الحرب العالمية الأولى ليتم استخدامها بعد ذلك كمصطلح - وإن كان يفتقر إلى الدقة ـ يهدف إلى الإساءة السياسية للخصوم واتهامهم بالدكتاتورية ومعاداة الديمقراطية.
ولأننا أمة محكوم عليها سلفا من قبل السيد الرئيس بالدكتاتورية والافتقار إلى الديمقراطية، فطبيعي أن نكون متهمين بـ «الفاشية» التي نعتقد أنها يجب أن لا تؤخذ على أنها شر كلها إذا ما عرفنا أنها قد نشأت في ظروف تتشابه إلى حد كبير مع واقع العرب (على مختلف دياناتهم) والمسلمين في كل مكان،
وإذا ما نظرنا أيضا إلى ما قدمته من صيغ في الحكم والإدارة السياسية التعاضدية في عشرينات وثلاثينات القرن الماضي بمعزل عن الطبيعة السلطوية للأنظمة الفاشية ممثلة في الحزب الفاشي الذي شكله بنيتو موسولينيني في إيطاليا عام 1919م، وتبنى أفكاره حزب العمال الألماني الوطني الاشتراكي بزعامة أدولف هتلر في العام نفسه.
أما الظروف التي أدت إلى ظهور الفاشية فقد تمثلت في عدة عوامل؛ كان أهمها حداثة الحكم الديمقراطي في أوروبا، حيث لم تستطع الثورة الفرنسية (1789) أن ترسخ مبادئها في المجتمعات الأوروبية. وهددت التجربة الصناعية الطبقة المتوسطة الدنيا التي تضم أصحاب المتاجر والمزارعين والحرفيين بعد أن سحقتهم القوة المتنامية للأعمال الضخمة من جهة، والنفوذ المتزايد للعمالة الموجهة من جهة أخرى،
فتضررت مصالحها ووجدت نفسها في حالة من الإحباط أدت بها إلى اتخاذ موقف عدائي من النظامين الرأسمالي والشيوعي على حد سواء. وكان لإخفاق الحرب العالمية الأولى في حل الصراعات والعداءات الدولية (معاهدة فرساي) دور كبير في نشأة الفاشية بعد أن تنامت النعرات العصبية لدى الشعوب المهزومة (الألمان مثلا) وظهرت لدى هذه القوميات رغبة عارمة في الانتقام من القوميات الأخرى. كل هذا دون إغفال للشخصية الكاريزمية التي تمتعت بها الزعامات التاريخية لهذه الحركة.
ما هي أوجه الشبه بين هذه الظروف التي أدت إلى ظهور الفاشية في أوروبا أوائل القرن العشرين وعودتها إلى الظهور بين المسلمين هذه المرة ـ كما يدعي الرئيس الأميركي - أوائل القرن الحادي والعشرين؟
لعل غياب الديمقراطية ـ كما يردد دائما الرئيس المطلع على خفايا الأمور وظواهرها ـ عن شعوب هذه المنطقة يكون عامل التشابه الأول،
ففي حين كان الحكم الديمقراطي في أوروبا حديث التطبيق وقتها حيث لم تكن القيم السياسية الديمقراطية قد حلت محل القيم الاستبدادية القديمة بشكل كامل فإن الحكم الديمقراطي غائب أصلا عن هذه المنطقة وشعوبها، مما يجد لها العذر لدى السيد الرئيس المهموم بنشر الديمقراطية وفرضها بالقوة على الشعوب في أنحاء العالم أجمع، وأولها منطقة الشرق الأوسط الجديد الذي لم تفصح عن معالمه بعد وزيرة خارجيته رغم أنها تحمل خرائطه في حقائبها التي تتردد بها على المنطقة فتزيدها بعد كل زيارة اشتعالا.
وكما اضطرب المجتمع الأوروبي نتيجة التهديد الذي تعرضت له الطبقة المتوسطة الدنيا من قبل التجربة الصناعية الرأسمالية فإن المجتمعات الإسلامية قد اضطربت أيضا نتيجة للتهديدات الخارجية التي تعرضت وتتعرض لها كل يوم من قبلكم أحيانا ومن قبل حليفتكم الكبرى إسرائيل دائما،
ونتيجة لعوامل داخلية بعد عدد من التجارب الثورية وغير الثورية الفاشلة التي أدخلتها نفقا مظلما وقضت على ثرواتها أو استنزفتها وجعلتها تعيش على الكفاف أو تحت خط الفقر، رغم ما تزخر به أراضيها من خيرات وثروات كان لكم ولحلفائكم النصيب الأوفر منها، إما على شكل نفط تشترونه بأبخس الأثمان لتعيدوه إليها سلعا وبضائع تدفع أضعاف ثمنها، أو صفقات سلاح غير مسموح بتوجيهه إلا إلى الأخوة في الدم والعقيدة.
وكما كان لإخفاق الحرب العالمية الأولى في حل الصراعات والعداءات الدولية دور كبير في نشأة الفاشية وصعود النعرات القومية لدى الشعوب المهزومة، فقد كان لإخفاقكم في لعب دور الشريك النزيه العادل في إحلال السلام في المنطقة دور كبير في فشل كل المساعي وبعث الفاشية من مرقدها وإلصاقها هذه المرة بالشعوب المسلمة،
فما يحدث في فلسطين منذ أوسلو وحتى الآن أنتم الذين رسمتم خارطة طريقه، وما يحدث في العراق منذ أن دخلتموه وحتى الآن أنتم الذين وضعتم بذرته وسقيتم شجرته، أما ما يحدث في لبنان الآن من شماله إلى جنوبه فأنتم الذين باركتم كل خطوة فيه، بل ودفعتم إليها. فهل تستغربون بعد هذا كله ظهور فاشيين جدد في القرن الحادي والعشرين؟!
نعم يا سيادة الرئيس، لا غرابة في أن يظهر فاشيون جدد في زماننا هذا، ولكنهم لن يكونوا أولئك الذين سُلبت أرضهم وانتُهكت حقوقهم، فالفاشيون هم الذين يحتلون أراضي الغير ويفرضون ديمقراطيتهم المزعومة بقوة السلاح ويغذون الفتن ويبعثون النعرات بين الشعوب والأديان والمذاهب والقوميات. والفاشيون هم الذين يقتلون الأطفال والنساء والشيوخ بدم بارد، ويروعون السكان الآمنين وينسفون بيوتهم ويدمرون دور عبادتهم.
والفاشيون هم الذين يمدونهم بالقنابل الذكية كي يخوضوا هذه المعارك الغبية. والفاشيون هم الذين يدعمون قتلة النساء والشيوخ والأطفال ويحولون دون صدور القرارات الدولية التي تدينهم، ويرفعون العصا في وجه كل من يحاول قول كلمة الحق في زمن ضاعت فيه الحقوق واختلت المعايير وغابت القيم، فلم نعد نعرف فيه الفاشي من الديمقراطي، ولا نفرق فيه بين الحق والباطل، ولا نفصل فيه بين العدل والظلم.
نحن لا ندافع عن الإرهاب ولا نقر من ينتهجه أسلوبا لتخليص المظالم مهما بلغ الظلم مداه، لكننا لا نقر في الوقت نفسه أن يؤخذ البريء بجريرة المذنب، فإطلاق التهم جزافا وتعميمها على الشعوب والأمم دون النظر في مرآة الحقيقة هو قمة الظلم في زمن البحث عن العدالة المفقودة يا سيادة الرئيس.
كاتب إماراتي
aliobaid2000@hotmail.com