أكثر من شهر وآلة الدمار الإسرائيلية تواصل جرائمها بحق الأشقاء في لبنان الواقع تحت رحمة المساومات الدولية من اجل إصدار قرار جائر تتبناه الولايات المتحدة الاميركية لصالح تل أبيب التي تمادت في غيها وقرر مجلس حربها توسيع العمليات البرية بغية مزيد من الضغط على الحكومة اللبنانية للقبول بفرض الشروط التعسفية وتحويل الهزيمة العسكرية للجيش الإسرائيلي أمام صمود مقاتلي حزب الله إلى نصر سياسي يغطي فشل العسكر.
وفي المعادلة السياسية بدت فرنسا مهزوزة ومرتبكة وهي التي حاولت تقديم بديل يحسن من مشروع القرار الاميركي داخل مجلس الأمن، في البداية قالت باريس انها تتبني خطة رئيس الوزراء اللبناني فؤاد السنيورة بنقاطها السبع التي طرحت في مؤتمر روما ثم عادت واقتربت بشكل واضح إلى رؤية الاميركيين،قبل ان تعاود الكرة اثر تبني وزراء الخارجية العرب النقاط اللبنانية التي اجمع عليها وزراء الحكومة بمن فيهم وزراء حزب الله، ووجدنا فرنسا وقد تنبهت لخطورة الاندفاع إلى جانب الاميركيين، قبل أن تعلن أن ثمة نقاطا لابد من تعديلها في مشروع القرار الدولي.
الاميركيون بدورهم الذين ظنوا أن التدخل الفرنسي سيكون بمثابة المحلل لمشروع قرارهم المصنوع إسرائيليا، لم يَروُقْهم الأمر وعادوا إلى العناد على الحدود الدولية مع الكيان الصهيوني، بزعم أن الجيش اللبناني غير قادر على القيام بالمهمة المطلوبة من قوة دولية تريد واشنطن وتل أبيب نشرها لحماية امن إسرائيل من فوق الأرض اللبنانية، وهو ما زاد الأمور تعقيدا، فيما المدنيون يتساقطون بصواريخ الحقد الإسرائيلية التي استباحت القرى والبلدات اللبنانية المسالمة فحولتها إلى ساحة لارتكاب المجازر.
وليس غريبا استمرار الضغوط والتباطؤ الاميركي في الأخذ بعين الاعتبار الرؤية اللبنانية للحل، مع إعطاء إسرائيل المزيد من الوقت علها تنجح في إحداث تحول عسكري على الأرض، رغم استمرار فشل جنودها في مهمتهم بعد أكثر من شهر على بدء العدوان الإسرائيلي، والغارات المحمومة على الربوع اللبنانية دون ان تصل تل أبيب إلى مبتغاها، فلا صواريخ حزب الله توقفت عن قصف العمق الإسرائيلي، ولا مئات الآلاف من الإسرائيليين خرجوا من ملاجئهم، أو توقف تهجير الآلاف منهم إلى خارج الحدود الشمالية التي استقبلت الآلاف من صواريخ المقاومة.
وأخطر ما في لعبة تمديد الوقت أن يتحول العدوان إلى عمل روتيني يعتاد الناس على متابعة تفاصيله دون أن يروا حلا وشيكا للازمة، فتتكرر المجازر والمذابح، ويغرق الجميع في الهوامش على حساب المتن الأساسي وهو الوقف الفوري للعدوان الغاشم، ولعل التجربة العراقية الماثلة أمامنا، خير دليل وبرهان. فمن يسأل اليوم كم عراقيا يموت يوميا، دون أن يلتفت إليه احد، بعد أن كانت تفاصيل كل ما يدور على ارض الرافدين ملء شاشات الفضائيات،
وهي لعبة خبيثة، تريد لنا نسيان، مأساة بكارثة بحجم ما يجري في لبنان، وهكذا دواليك، قبل أن نفيق على الطامة الكبرى وقد وقعت غالبية أوطاننا العربية تحت سيف الاحتلال المباشر، أو الخراب والدمار، خدمة للشرق الأوسط الجديد الذي تريده الولايات المتحدة، ولا تقف عند حد من أجل فرضه على الخرائط. وإلى متى سنظل لعبة الأهواء الأميركية والإسرائيلية، فيما العجز الرسمي العربي على هذا النحو المزري الذي جعلنا أضحوكة في عيون الامم؟.
في بداية العدوان طرح البعض دعوة لعقد قمة عربية طارئة، فتعلل البعض بان الأمر قد يتسبب في شق وحدة الصف العربي، وبعد أن خرج الشارع العربي في أكثر من عاصمة، ووجد البعض أن الأمر قد يفلت من بين الأصابع، جاء الحديث عن قمة طارئة ، فهل ترى هذه القمة النور من اجل اتخاذ موقف عربي جاد وحقيقي يقول إن عروبة لبنان تحتم التحرك الجاد والدفاع عنه واجب لا يمكن التنصل منه؟
دموع السنيورة أمام وزراء الخارجية العرب في بيروت، إدانة صريحة إلى كل أولئك الذين، وقفوا متخاذلين أمام نصرة أشقائهم في المحنة، وهي دموع سيذكرها التاريخ، باعتبارها العنوان الفاضح لزمن الهوان العربي.