التساؤل المرير الذي أطلقه نبيه بري رئيس مجلس النواب اللبناني تعليقاً على مشروع القرار الفرنسي - الأميركي ينبغي ان يظل مطروحاً على الضمير العربي ولا يسقط كالعادة بالتقادم،لأنه يفتح الباب لكي نقف وجهاً لوجه أمام حقيقة الحرب التي أعلنت على لبنان، والتي لن تتوقف بصدور قرار مجلس الأمن أيا يكن هذا القرار.
نبيه بري تساءل: إذا كانت إسرائيل لم تنتصر عسكريا، بل هي مهزومة على الأرض ثم يجيء مشروع القرار الفرنسي - الأميركي فيعطيها أكثر ما كانت تطالب به، فماذا كان سيحدث لو انتصرت إسرائيل على مقاومة الشعب اللبناني؟
بالطبع لم يكن أحد ينتظر من أميركا مشروع قرار لا ينحاز لإسرائيل، وإذا كان البعض كان يأمل في الموقف الفرنسي، فقد تعودنا - بعد الخلاف بين باريس وواشنطن أثناء غزو العراق - ان نسمع كلاماً كثيراً من الدبلوماسية الفرنسية، ثم نجد في النهاية اصطفافاً حول ما تريده واشنطن،
ثم إن الأمر بشأن لبنان يختلف، والموقف الفرنسي تجاه سوريا بدا في بعض الأحيان اكثر تشددا من الموقف الأميركي. مع ذلك فقد كانت كل الحسابات ترجح موقفاً معقولاً من باريس حرصاً على مصالحها في لبنان واستناداً إلى موقف وطني لبناني رائع اتحدت فيه كل الطوائف اللبنانية في مواجهة العدوان الوحشي.
ولم يكن أحد يتوقع ان تمرر أميركا - وهي الآمر الناهي في مجلس الأمن - مشروع قرار يجسد أي نوع من التوازن، ولكن أحداً أيضا لم يتوقع أن توافق فرنسا ومن بعدها باقي الدول الكبرى على مشروع قرار بهذه الوقاحة، إذا كان الأمر يتعلق فقط بعدم تمكين حزب الله «الإرهابي!» من تحقيق نصر قد تكون نتائجه حاسمة في المعركة الدائرة حول مصير المنطقة كما يقال،
أو إذا كان الأمر يتعلق فقط بعدم ترجمة الهزيمة العسكرية للجيش الإسرائيلي إلى هزيمة سياسية تدفع ثمنها الحكومة الإسرائيلية، وتدفع الثمن معها حكومات عربية وقفت - في أحسن الأحوال - موقف المتفرج على مذبحة لبنان لأكثر من ثلاثة أسابيع ولم تتحرك بعد ذلك إلا لتتفادى كارثة انفجار الشارع العربي.
من هنا يجيء التساؤل : لماذا جاء مشروع القرار الفرنسي - الأميركي بهذه الوقاحة؟ ولماذا يعطي لإسرائيل اكثر مما طلبته رغم أنها عجزت عن تحقيق انتصار عسكري ورغم ما ارتكبته من مذابح هي باليقين جرائم حرب يستحق مرتكبوها المحاكمة الدولية؟
وما هي الأسباب التي تجعل الدول الكبرى دائمة العضوية في مجلس الأمن تغض الطرف عن حقيقة العدوان الهمجي الذي تعرضت له لبنان، وتوافق على مشروع قرار يجعل من إسرائيل هي الضحية ويعامل لبنان والعرب وكأنهم من درجة ادنى لا يحق لها ان تتمتع بأي حق من حقوق الإنسان؟
كل هذه التساؤلات المريرة وغيرها تظل مطروحة إذا تغافلنا عن الحقيقة الكبرى في هذه الحرب الهمجية، وهي أنها ليست حرب إسرائيل في الأساس، وإنما هي حرب أميركا أو هي حرب الإدارة الأميركية الحالية التي تمثل أبشع ما في اليمين الأميركي الصهيوني من تطرف وعنصرية
وغطرسة وعداء للعرب والمسلمين، وهي حرب الرئيس الأميركي الجاهل بما يدور في العالم والمسكون بالخرافات التي تم زرعها بداخله وأولها ان الله قد اصطفاه ليخوض المعركة ضد محور الشر إلى ان أصبحت كل حركات المقاومة العربية من أعضائه (!!)
بينما أصبحت إسرائيل التي قامت وعاشت على الإرهاب شريكا أساسيا في محور الخير الذي يدافع عن القيم التي يؤمن بها الرئيس الأميركي الطيب الصالح الذي لم يجد ما يعقب به على ذبح الأطفال في «قانا» إلا أنه دفاع مشروع عن النفس من جانب إسرائيل الضحية المغلوبة على أمرها!!
لم يعد خافيا أن الحرب القذرة لتدمير لبنان قد بدا الاعداد لها فور الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان قبل ست سنوات، وان الخطة كان يجري تطويرها سنوياً حتى تم إقرارها في نوفمبر 2005 بعد أن عرضها وزير الدفاع الإسرائيلي وقتئذ موفاز على رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق شارون.
من جانبه قام شارون في زيارة لواشنطن بالحصول على موافقة الإدارة الأميركية على الخطة منتهزاً أمرين:
ـ الأمر الأول: تصاعد الموقف بين الإدارة الأميركية وإيران مع تصاعد الأزمة النووية، ومع عدم استبعاد اللجوء للقوة في التعامل مع ايران، ومع دفع إسرائيل واللوبي المؤيد لهذا الاتجاه وإبداء استعدادها للقيام بالدور الأساسي في ضرب القدرات النووية الإيرانية.
وفي هذا الإطار تم تقديم «حزب الله» في لبنان و«حماس» و«الجهاد» كاحتياطي جاهز للتحرك لدعم إيران عند الصدام المحتمل، وبما يهدد المصالح الأميركية والأمن الإسرائيلي . ومن هنا كان الحصول على تفويض كامل بتصفية الموقف في الأراضي الفلسطينية ، وكذلك اعتماد الخطة الإسرائيلية لتدمير لبنان والخلاص من حزب الله.
ـ الأمر الثاني: هو التعثر الأميركي في العراق ، وتنامي المعارضة داخل الولايات المتحدة لهذا التورط في ضوء تزايد الخسائر البشرية من الجنود الأميركيين، والنزيف المالي من ميزانية تعاني من اكبر عجز في تاريخ أميركا، وما يمثله ذلك بالنسبة للناخب الأميركي المقبل على انتخابات حاسمة في نوفمبر المقبل .
ومن هنا كانت الحاجة لـ «انتصار» يتم تقديمه للناخب الأميركي في جهة أخرى أسهل، وتتحدد فيه المصالح الإسرائيلية - الأميركية لأقصي درجة، وتسخر كل إمكانيات اللوبي اليهودي المالية والإعلامية لكي يغطي على الكارثة في العراق. وهكذا كان الاتفاق على أن تتم «العملية» في سبتمبر أو أكتوبر لكي تسبق انتخابات التجديد للكونجرس الأميركي في نوفمبر، وكل ما حدث هو التبكير بالموعد بعد ضربة حزب الله.
وفي ظل الاتفاق كانت الولايات المتحدة تتصرف بعد انطلاق العمليات الإسرائيلية. فالحرب حربها، والهدف الذي تم إعلانه هو شرق أوسط جديد لا مكان فيه للمقاومة (التي أصبحت أميركا تعتبرها إرهاباً) ولا مكان فيه لنظام عربي مهما كانت درجة ضعفه لأنه يجسد في النهاية فكرة ينبغي أن تدفن وهي فكرة المصير العربي الواحد.
هكذا كان التعامل ببرود قاتل من جانب الإدارة الأميركية تجاه كل دعوات وقف إطلاق النار، والإصرار على أن الوقت لم يحن بعد لمثل هذا القرار رغم كل المذابح التي قامت بها إسرائيل ورغم وضوح الإصرار على تدمير البنية الأساسية للدولة اللبنانية. فالخطة التي أقرتها واشنطن كانت تستلزم ثلاثة أسابيع يتم خلالها احتلال المنطقة ما بين نهر الليطاني والخط الأزرق بعمق 20 كيلومترا.
وهكذا رفضت واشنطن الدعوات لوقف العدوان الهمجي، ورفضت أي إدانة لإسرائيل حتى بعد مذبحة قانا، وخاضت كوندوليزا رايس معركة شرسة لتعطيل أي تحرك دولي من ناحية، وللضغط على الدول العربية من ناحية أخرى، ولإظهار الدعم اللامتناهي للعدوان الإسرائيلي، وجعل الجميع يفهمون أنها معركة أميركا التي لن تتراجع عنها.
لكن هذا السيناريو واجه المفاجآت وأولها هذا الأداء البطولي للمقاومة اللبنانية ثم هذا الصمود العظيم للشعب اللبناني الذي افشل الرهان على أن ضرب العمق اللبناني سيثير الشعب اللبناني بطوائفه المختلفة ضد حزب الله، فإذا بالجميع يلتفون في وحدة رائعة ضد العدوان الأميركي - الإسرائيلي خاصة بعد المذابح التي وقعت، وبعد وضوح استهداف ضرب الدولة اللبنانية وتدمير بنيتها الاقتصادية تماماً.
على الجانب المقابل قدم الجيش الإسرائيلي نموذجاً في الأداء الفاشل سواء من ناحية الاستخبارات أو العمليات على الأرض، ولم «يتفوق» إلا في ضرب المدنيين وارتكاب المجازر وهدم السدود والمطارات ومحطات الكهرباء والمدارس والمستشفيات، بينما صواريخ حزب الله التي قال من الأيام الأولى إنه دمر ثلثيها تنهال يوميا وتشل الحياة في شمال إسرائيل وتتوغل في العمق يوماً بعد يوم.
إزاء هذا الفشل كان القرار الأميركي الذي اتخذ أثناء الزيارات الأخيرة لرايس لإسرائيل بمنح الجيش الإسرائيلي مهلة جديدة لعشرة أيام ينهي فيها المهمة، وتقف فيها أميركا صامدة في وجه الضغوط الدولية التي بدأت تتصاعد،
وفي وجه صرخات الحلفاء العرب من خطورة الأوضاع الداخلية في حالة استمرار العدوان، وفي وجه عدم قدرة إسرائيل نفسها على تحمل المزيد وتنامي الإحساس لدي قطاعات كبيرة بأنهم يخوضون حرباً خاسرة لحساب أميركا بينما إسرائيل ستدفع ثمنه لسنوات طويلة موجات من الكراهية التي لن تزول.
لكن المهلة لم تنفع، والصمود اللبناني ظل على حاله، والفشل العسكري الإسرائيلي استمر. وهكذا انتقلت الإدارة الأميركية إلى المرحلة الثانية من خطتها لكي تحاول ان تحصل بالدبلوماسية على ما لم تستطع بالجيش الإسرائيلي والقنابل الذكية تحقيقه على الأرض. وظهرت ثمار الدبلوماسية الأميركية في تغيير موقف باريس، وفي ضمان عدم معارضة موسكو أو بكين لمشروعها.
وبعد أن كانت كوندوليزا رايس تصر طوال ما يقرب من أربعة أسابيع على أن الوقت لم يحن بعد لوقف إطلاق النار، إذا بها بعد ظهور المشروع الفرنسي - الأميركي تكتشف فجأة أن هناك ضحايا يقتلون ومدنا تتهدم وحرباً ينبغي ان تتوقف خلال 48 ساعة على الأكثر،
وبشرط ان يوافق الجميع على «وثيقة النصر!!» التي حررتها مع الدبلوماسية الفرنسية والتي تحقق لإسرائيل اكثر مما طلبته، وتجعل من لبنان الضحية هو الجاني، وتستكمل حربها التي فشلت فيها العسكرية الإسرائيلية فشلا ذريعاً بتصدير المشكلة إلى الداخل اللبناني وانتظار ان يقع لبنان الصامد في فخ الحرب الأهلية التي تنصب له.
كان واضحاً من البداية ان أميركا - وقد كشفت للجميع أن هذه حربها - لن تسمح بانتصار خالص لحزب الله ولا بهزيمة كاسحة لإسرائيل، ولكن كان المتصور ان تسعى في النهاية لشيء من التوازن يسمح لها ببعض المصداقية حين تقول إنها تدعم الحكومة اللبنانية، ويعطي لحلفائها العرب بعض ما يدافعون به عن مواقفهم،
وينقذ إسرائيل من ورطتها ولكن مع اليقين بأن القوة العسكرية لن تكون هي الحل، وأن عليها إذا أرادت الأمن أن تسعى لسلام حقيقي ينقذها من المصير الذي انفتحت أبوابه مع حربها الخائبة في لبنان. لكن ما طرحته أميركا من خلال المشروع المشترك مع فرنسا يكشف عن نوايا أخرى للبنان وللمنطقة، فالمشروع لا يستهدف وقف إطلاق النار ولا وقف العمليات الحربية وإلا إنقاذ لبنان من هذه الحرب المدمرة.
هل يفعل العرب؟ سؤال ربما كان يتردد في عقل رئيس الوزراء اللبناني السنيورة عندما غالبته الدموع وهو يقول لوزراء الخارجية العرب بصوت متهدج : إن عروبتنا في لبنان غير مشروطة! نعم.. العروبة غير المشروطة في مقابل الشرق الأوسط الجديد.. هذا هو جوهر المعركة التي بدأت ولم تنته!!.
نقيب الصحافيين المصريين