الحرب الإسرائيلية العدوانية الدائرة رحاها على الأرض اللبنانية مفصل ونقطة تحول تاريخيان لا يخصان لبنان وشعبه فحسب بل المنطقة برمتها وربما العالم أجمع والفضل كل الفضل يعود أولا وأخيرا إلى النصر الذي تحققه سواعد مقاتلي المقاومة الوطنية اللبنانية على آلة الحرب الصهيو- أميركية الجبارة.
النصر الوطني اللبناني في مستواه الأول قد تحقق فعلا على الجبهة الداخلية عن طريق إحباط رهان إسرائيل ومن يشد على يدها في الوطن العربي والعالم على نشوب اقتتال داخلي لبناني- لبناني يمكن إسرائيل وحلفاءها من القضاء نهائيا على أحد آخر معاقل في المنطقة ممثلا بحزب الله اللبناني.
ونحن لا نسوق هذا الكلام في إطار السجالات السياسية الدائرة بين مختلف الأطراف المعنية بالأزمة أو لمجرد المساهمة في هذه السجالات فحسب وإنما المقصود هو إلقاء الضوء على ما كان من الممكن أن يحدث لو أن حزب الله وقع في الفخ الإسرائيلي وتعامل مع باقي الطيف السياسي اللبناني من الزاوية الحزبية الضيقة
وليس من الزاوية الوطنية المفتوحة على جميع العناصر المكونة للخارطة السياسية الداخلية اللبنانية فلو أن آلة الحرب الصهيونية تمكنت من إلحاق الهزيمة بقوات حزب الله لكان الدم اللبناني قد سال على أيد لبنانية فعلا لا قولا ،ووصل حتى الركب مما يعني أن أحد أهم جوانب هذا النصر التاريخي المشرف إنما يقوم على ركيزة حقن الدم اللبناني الذي كان يمكن أن يراق على أيد لبنانية.
ولذلك فإن حزب الله يواجه في اللحظة الراهنة مهمة مزدوجة أو هدفا ذا مستويين أولهما يتعلق بالوصول بهذا النصر إلى نهاياته المرجوة ودحر قوات الاحتلال الصهيوني عن التراب الوطني اللبناني والثاني يتعلق بضرورة جعل هذا النصر مثلما هي طبيعة الحال نصرا وطنيا لبنانيا صرفا
يخص كل مواطن لبناني بغض النظر عن انتمائه المذهبي أو الطائفي واستثماره على أعلى مستويات المصلحة الوطنية العليا فعلى هذا الانتصار يجب بناء وطن من نوع جديد متحرر من قيود الوصايات الخارجية والعمالات الداخلية والدوائر المذهبية والطائفية.
هذا على صعيد الداخل اللبناني أما على مستوى محيط لبنان العربي فلقد تجلى النصر الذي حققه رجال المقاومة الوطنية في أمر نعتقده جوهريا ويتمثل في إذابة اللون الرمادي من الخارطة السياسية العربية وتبيان حقيقة مكوناتها الأساسية بعد أن ساد هذا اللون المقيت طويلا فيها وكان يخلط حابلها بنابلها وصالحها بطالحها وأبيضها بأسودها ناهيك عن الخلط بين الصديق والعدو.
كما امتدت تداعيات الصمود البطولي لحزب الله لتطال حتى الخارطة السياسية الدولية التي راحت تتقيأ عناصر المؤامرة الدولية المعدة للمنطقة العربية مع كل يوم يمضي على المغامرة الصهيو- أميركية غير محسوبة العواقب في لبنان ومن تلك العناصر جميعا يبرز واقع أن الولايات المتحدة لم تكن ذات يوم وسيطا لا نزيها ولا قذرا في معادلة الشرق الأوسط السياسية.
كل ذلك أوقع القيادة السياسية للدولة العبرية المارقة في دائرة الإرباك والتناقض معبرا عنها في قرارات سياسية وعسكرية متضاربة تتخذها وتتراجع عنها بين لحظة وأخرى ما يبين بوضوح أن حسابات البيدر اللبناني لم تتفق بالمرة مع حسابات القبان الإسرائيلي ذلك أن مجموع الخسائر التي تتكبدها قوات الجيش الإسرائيلي في لبنان لا يساوي شيئا مقابل الخسائر الجسيمة التي راحت الدولة العبرية تدفعها على أكثر من صعيد ولا سيما على صعيد ما حرصت على بنائه منذ تأسيسها من تحالفات سواء في لبنان أو محيطه العربي الدولي.
ولذلك نقول إنه ليس من مصلحة الدولة العبرية وحركتها الصهيونية ولا النظام الطائفي في لبنان ولا النظام الرسمي العربي ولا تحالف قوى الامبريالية العالمية وعلى رأسها الولايات المتحدة طبعا استمرار هذا الوضع السياسي والفكري لأنه يكشف مع مرور كل يوم حقائق تاريخية وراهنة أشد من يحتاجها ويتوق إلى الاطلاع عليها هو الشعب الغربي المتعطش لتلمس حقيقته
وطريقه على ضوء ما يتكشف من معلومات وخفايا خطيرة حول حقيقة علاقة النظام الرسمي العربي بالكيان الصهيوني وحقيقة التحالف الاستراتيجي الذي يضم بعض عناصر ذلك النظام والدولة العبرية وقوى الامبريالية العالمية في بوتقة واحدة.