بعد شهر كامل من القتل والتخريب وسفك دماء الأبرياء ليلا ونهارا، أصدر مجلس الأمن الدولي قراره رقم 1701 وسط ضجيج من الترحيب الدولي يسبقه ارتياح ورضا من إسرائيل بمجرد علمها ببنوده وقبل أن يتبناه المجلس بإجماع أعضائه الـ 15.

فهل هذا الارتياح والرضا من جانب إسرائيل يعني أن القرار الذي صدر بعد ولادة عسيرة استمرت 30 يوما قد جاء لصالحها؟ القرار ـ كما عبّر وفد جامعة الدول العربية على لسان وزير الخارجية القطري الشيخ حمد بن جاسم - ينقصه التوازن ويغفل العوامل الجيوسياسية والاجتماعية والتاريخية المعقدة التي تراكمت لتفرز الوضع الحالي في تلك المنطقة،

حيث لم يأخذ القرار في الاعتبار بشكل كاف مصالح لبنان ووحدته واستقراره وسلامته الإقليمية. والقرار حسب تعبير الوزير القطري لم يتطرق بشكل واضح وصريح إلى ويلات الدمار التي تسبب فيها العدوان الإسرائيلي على المدنيين الأبرياء والبنى التحتية اللبنانية،

كما لم يتعرض بوضوح إلى مسؤولية إسرائيل الإنسانية والقانونية عن ذلك الدمار، ولم يعالج مسألة الأسرى والمعتقلين والمختطفين اللبنانيين في السجون الإسرائيلية بشكل متوازن، حيث أن تبادل الأسرى والمحتجزين هو الوسيلة الواقعية والمنطقية لتسوية هذا الموضوع.

القصور الأساسي في القرار إذن، هو تجاهله تحميل إسرائيل مسؤولية عدوانها على الشعب اللبناني وإهماله قضية الأسرى.الأكثر من ذلك،أنه يبرئ ساحة الدولة العبرية من كل جرائمها التي ارتكبتها على الأرض اللبنانية منذ بدأت عدوانها البشع في الثاني عشر من يوليو الماضي.

وهذا ما يفخر به نائب رئيس الوزراء الإسرائيلي شيمون بيريز الذي رحب بالقرار قائلا انه يبرئ العدوان الذي أسماه بالحملة العسكرية على لبنان. ويقول بيريز صاحب عدوان «عناقيد الغضب» ومرتكب مجزرة قانا (1) عام 1996 ، انه «من دون ضغط عسكري إسرائيلي لم نكن لنصل إلى هذا القرار، لقد حققنا كل ما نصبو إليه من الأمم المتحدة»!

أقوال بيريز وقبول إسرائيل بالقرار، يعني أن الدولة العبرية المعتدية هي الرابح. ولكن أيعني ذلك أن وفد جامعة الدول العربية المكلف من قبل مؤتمر وزراء الخارجية العرب الذي عقد في بيروت يوم الاثنين الماضي، وجد مقاومة من أصحاب مشروع القرار؟

ما صدر عن مجلس الأمن، يختلف بالفعل عن المسودة الأولى التي قدمتها فرنسا والولايات المتحدة في بادئ الأمر. وهناك تغيير ملحوظ بين المسودة الأولى والصيغة النهائية التي صوت مجلس الأمن عليها ليلة أول أمس بالإجماع.

ويقول السفير أحمد بن حلي الأمين العام المساعد لجامعة الدول العربية للشؤون السياسية، ان صمود الشعب اللبناني وحكومته ومقاومته الباسلة من أهم ما ساعد على إقرار التعديلات، مشيراً أيضاً إلى المعركة الدبلوماسية التي خاضها الوفد العربي مع أعضاء مجلس الأمن ومفاوضته مع الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان.

وأهم هذه التعديلات التي أدخلت على الصيغة النهائية ـ كما يقول بن حلي ـ انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان، واستبعاد إصدار القرار ضمن البند السابع للأمم المتحدة الذي يجيز استخدام القوة، واعتماد مضمون النقاط السبع التي طرحها رئيس الوزراء اللبناني فؤاد السنيورة، وتسليم إسرائيل خرائط الألغام التي زرعتها في لبنان.

إن القرار رغم التحفظ العربي عليه تراه الجامعة العربية على لسان بن حلي أفضل الممكن في الوقت الحالي في ظل المعادلة الدولية المختلة التي يعاني منها العالم. ومع ذلك فإسرائيل الراضية به والتي تعتبره حكما بالبراءة من تهمة العدوان(!) لم تتوقف عن إطلاق النار، وبكل «بجاحة» قال الناطق باسم حكومة أولمرت: لا حدود زمنية للعدوان.

لقد شنت إسرائيل عدوانا بريا جديدا وكاسحا ومتوغلا في الأراضي اللبنانية بعد ساعات قليلة من صدور قرار مجلس الأمن. وكان وزير الخارجية اللبناني بالوكالة طارق متري، محقا عندما شكك في نجاح تنفيذ القرار. حيث عبر عن قلقه لأنه لم يشدد على وقف فوري للعدوان، قائلا ان وقفا غير كامل لإطلاق النار ليس وقفا فعليا. وهذا ما دفع إسرائيل إلى إكمال عدوانها بمزيد من القتل والتدمير رغبة في أن ترى هذا البلد العربي الصامد وقد صار خرابا.