بكل المقاييس والاعتبارات فقد جاء قرار مجلس الأمن مساء أمس بوقف العمليات العسكرية في لبنان ليخرج إسرائيل وحكومتها من ورطة حقيقية أوقعت نفسها فيها حينما قررت شن عدوانها الهمجي على لبنان بحثاً عن مكسب عسكري يسمح لها بالانقضاض على المقاومة اللبنانية كلما أرادت ذلك.
لقد اضطرت اسرائيل إلى القبول بالقرار الدولي وأن تتجرع مرارة الهزيمة السياسية بعد أن خسرت المعركة العسكرية على الأرض بعد أن استبد بها صلفها وغطرستها وصمَّت أذنيها عن كل الدعوات بتغليب صوت العقل ووقف إطلاق النار والإدراك .
أن منطق القوة وإن نجح بعض المرات فليس بالضرورة أن تتوفر له مثل هذه الفرصة في كل الأحوال، وقبول إسرائيل لذلك القرار لم يكن إجراءً مبعثه التعقُّل أو الاستجابة لإرادة السلام بل إن من دفعها للتسليم بذلك هو صمود المقاومة اللبنانية وتماسك أبناء الشعب اللبناني والانتكاسات والخسائر الفادحة .
التي مُني بها الجيش الاسرائيلي الذي مُرِّغت صورته وسقطت الهالة التي رسمت عنه تحت وقع ضربات المقاومة التي ظهر أمامها ذلك الجيش الذي قيل أنه لا يقهر ذليلاً يجر أذيال خيبته في ساحات القتال في صورة لم يكن يتوقعها أيٌّ من المحللين الاستراتيجيين أو العسكريين الذين بنوا تصوراتهم عن هذا الجيش من خلال ما كانت تسوِّقه الآلة الإعلامية الاسرائيلية.
إن إسرائيل التي ظلت تقاوم كل الخطوات الهادفة إلى وقف إطلاق النار - كلما اقترب مجلس الأمن من هذه النقطة بصلافة متناهية - قد ارتضت لنفسها الخروج من ميدان المعركة بهزيمة عسكرية وسياسية مُنكرة.. وتلك هي النتيجة الطبيعية لكل متعجرف يستهين بقيم الحق والعدل.
ومما لا غبار عليه أن الحكومة الاسرائيلية وانطلاقاً من تلك العقلية الرعناء قد عملت على تسديد الكثير من الضربات للمنظمة الدولية بأفعالها التدميرية لكل ما يمت بصلة إلى الحياة في لبنان من بشر وعمران حتى بات على تلك المنظمة أن تتجه إلى وضع نهاية للحرب الاسرائيلية ليس فقط من باب التعاطف مع لبنان ولكن لدرء الخطر الذي بات يتهدد الكيان الاسرائيلي وينذر بتفككه واشتعال الصراع في جبهته الداخلية بفعل الصفعات الموجعة التي تلقاها جيشه من قبل المقاومة اللبنانية.
وقد بدت هذه الصورة شاخصة في تقييم كل الأطراف وفي مقدمتها الأطراف المتعاطفة مع هذا الكيان والمنحازة لسياساته وتوجهاته العدوانية. ولعل مستنقع الاجتياح البري قد جعل جنرالات اسرائيل يعيدون حساباتهم وتقديراتهم لمجرى المواجهة خاصة وهم الذين لم يضعوا في تقديراتهم أن أحدث أسلحتهم ونخب ألويتهم العسكرية ستصبح لقمة سائغة لرجال المقاومة على ذلك النحو الذي أظهرته خسائر الأيام الأخيرة.
ولذلك كان قرارهم بالتراجع عن توسيع الهجوم البري بعد أن وجدوا أن جيشهم بعدته وعتاده يفتقر لأدنى حد من زمام المبادرة في حين كان رجال المقاومة اللبنانية هم الذين يحددون أرض المعارك ونتائجها ويستدرجونهم إلى كمائنهم القاتلة، وهو ما أكدته جهات اسرائيلية وحذرت منه عن طريق وسائل الإعلام بإشارتها إلى أن حكومة أولمرت وإن كانت تمتلك القرار بتوسيع العدوان لكن حصيلة ما يحدث في الواقع العملي قد برهن بأنها لا تمتلك القدرة على حسم النتيجة وتحقيق الانتصار.
ومثل هذه المحصلة لا شك أنها تعيدنا إلى ما ذهب إليه فخامة الرئيس علي عبدالله صالح في بداية العدوان على لبنان حينما أكد استحالة أن تخرج إسرائيل من هذه المعركة بنصر معين لأنها ضحت بالممكن لحل مشكلة الأسيرين سياسياً مقابل تمسكها بمنطق القوة الذي تتزاحم فيه كل الاحتمالات ابتداءً بغير الممكن وانتهاءً بالمستحيل.
وعليه فإذا كانت المقاومة اللبنانية قد نجحت بالانتصار لأهدافها في ميدان المعركة والمواجهة.. فقد برهن العرب بتحركهم الدبلوماسي والسياسي عن طريق الوفد الثلاثي بأنهم قادرون إن شاءوا على إحراز الانتصارات السياسية وإقناع العالم بعدالة مواقفهم ومشروعية القضايا التي يدافعون عنها.
وفي ضوء تطورات قرار مجلس الأمن لوقف الحرب فإن ما يعوَّل على الأشقاء في لبنان - وقد انتقلت المواجهة من الساحة الدولية إلى الساحة الداخلية - هو إسقاط أية محاولة يسعى من خلالها الكيان الاسرائيلي للتعويض عن فشله في المعركة العسكرية والسياسية بإثارة بعض الزوابع التي تضعف الوحدة الوطنية اللبنانية خاصة وأن تماسك الجبهة الداخلية يشكِّل فرس الرهان لتعزيز قوة ومتانة الجدار اللبناني الذي استطاع أن يقدم صورة نادرة من الصمود طيلة أيام العدوان وكذا إسقاط محاولة الكيان الإسرائيلي الذي اعتاد على بناء انتصاراته من نافذة الانتكاسات التي يتعرض لها العرب بسبب انقساماتهم الداخلية.
ونحن على قناعة بأن الشعب الذي أفشل أهداف العدوان لهو قادر على إفشال كل مخططات التآمر ليتوج الانتصار بانتصار جديد يعيد الاعتبار لهذه الأمة ويبرهن على أن شعوبها لم تفتقد الثقة بنفسها وبقدرتها على مواجهة كل التحديات.