عندما تجدب الأرض يصلي المسلم صلاة الاستسقاء، ويقلب بعض ملابسه أملاً بتغيير الحال إلى المطر وخيراته، وربما الجدب العربي استمر بلا أمطار وخاصة ما يتعلق بالحالات السياسية.

فنحن نضخم البطل، والبطولة إلى حد جعلها من الخوارق، حتى لو كانت مجرد حالة عادية، ونحيل الهزيمة ونسميها بما يوحي أنها عثرة أو خطأ، وبغياب التحليل الموضوعي لمختلف الوقائع فإننا سرنا على الخط المتعرج بحيث لم نقنع أنفسنا بالواقع، ونجعل غيرنا يصدقنا، ويزيل عنا حالات اللبس في مواقفنا.

وبهذه الأسباب لم ننجح دبلوماسياً، ولم ننتصر عسكرياً، لأن حدود معرفتنا بخصومنا تقوم على العواطف وتقدير أن زعيم دولة عظمى مثلاً يصنف بأن أوراق الحل بيده التي تصل إلى 99 بالمائه متناسين أن هذا الرئيس محدود الصلاحيات ومقيد بقوانين تعرض على البرلمان والخبراء، ولا تتخذ القرارات إلاّ وفق حدود دقيقة ومعينة.

وقد يأتي القياس، أو التقدير على زعماء العالم الثالث الذي يقع الوطن العربي في عمقه بإصدار الأوامر من الرئيس مباشرة بإعلان الحروب، أو قفل الحدود أو طرد ملايين المواطنين وتهجيرهم لمجرد الشك بمعارضتهم حكم الزعيم كما حدث مع صدام حسين وأنماط أخرى دخلت نفس المعترك، ولذات الأسباب.

أسسنا مع دول آسيوية، وأفريقية، ولاتينية دول عدم الانحياز والمنظمات الأفريقية، والآفرو آسيوية وغنينا للثورة الكبرى التي ستعم العالم، وكما تفعل الدول الكبرى حين ترسم سياساتها من أفق أبعد من المراحل الآنية، اعتقدت بعض الدول العربية أنها عاصمة العالم وقوة تحريكه، لأن هياج الشارع المسيّس أقنع العديدين بأن الشرق والغرب، في تلك المراحل يبحثون عن صداقاتنا لأننا مركز الكون.

ولم ندرك أن اللعبة تدار من خلفنا، وأن العالم، بعد الحرب العالمية الثانية، ورغم ثنائيته للشرق والغرب، إلا أننا مركز التجارب لكل السياسات التي أثمرت العجز والانقلابات، ومن خلفهما نبت الإرهاب وتضخم.

فالعالم لا يستطيع أن يكون محايداً،أمام مضاعفات الحروب السياسية والعسكرية، ولذلك كنا القسم الضائع بين القوى، ووحدهم الأذكياء الذين خالفوا قاعدة الحياد لينحازوا لأنفسهم ويطوروا ذواتهم من خلال علاقات سلمية مفتوحة لا تقوم على استيراد السلاح على حساب لقمة العيش، بل جعلوا بداياتهم صناعة لعب الأطفال، والتي من خلالها تحولت اليابان إلى قوة آسيا العظمى اقتصادياً، وليس عسكرياً.

ومثلها يفعل الآخرون في كل بلدان العالم التي تسعى لتأكيد ذاتها علميا واقتصادياً، متخلية عن النزاعات العرقية، والأثنية وغيرهما لتعيش وتترعرع مستوطنة إنسان وأرض العرب، كأمة منكوبة، وحتى الذين كنا على علاقة ود وتضامن في بلدان العالم الثالث، تخلوا عنا وعن قضايانا، لأنهم وجدوا التعويض المقابل، ليس جُملاً، أو حروفاً متسقة تنادي بوحدة النضال، وإنما التفكير بالكيفية التي يصيدون بها الأسماك، ويفتحون النوافذ لكل رياح التنمية والتصالح مع العالم من أجل فرص العمل، والتبادل التجاري والعلمي، بدلاً من إحراق أعلام الأعداء، والتظاهر ضدهم..