ينصبّ اهتمام العالم حالياً على الوضع في غزة ولبنان، لكن لا ينبغي علينا أن نحول أنظارنا عن الوضع في العراق، والذي يتجه من سيئ إلى أسوأ. هل هناك أي مسؤول في الإدارة الأميركية لا يزال راغباً في المراوغة حول تعريف «الحرب الأهلية» الذي ينطبق على حالة الفوضى الدموية في العراق في وقت تقول الأمم المتحدة انه خلال شهر يونيو الماضي حصد العنف الطائفي ما متوسطه أكثر من100 عراقي باليوم؟.
ما التسمية التي يفضل مسؤولو الإدارة الأميركية استخدامها لوصف ما جرى أخيراً عندما توجه مفجر انتحاري بسيارته إلى قلب مدينة الكوفة، وجمع حوله حشداً كبيراً من العمال الشيعة الذين يبحثون عن عمل، قبل أن يفجر مركبته ليقتل 53شخصاً ويجرح 105 آخرين؟
ويفيد تقرير الأمم المتحدة أن عدد الوفيات الناجمة عن العنف في العراق هذه السنة ارتفع بنسبة 77% من 1778 في يناير إلى 3149 في يونيو.
وبحسب تقديرات الأمم المتحدة، فإن العدد الإجمالي للقتلى المدنيين في النصف الأول من 2006 وصل إلى 338 ,14 شخصاً.
وما يعنيه هذا ببساطة هو أن المذابح الطائفية تتسارع بشكل كبير، وأنه لا القوات العراقية ولا الجيش العراقي الناشئ، فعلا أو يفعلان شيئاً من شأنه التخفيف من حدة هذا العنف.
وما يعنيه هذا أيضاً هو خيبة لآمالنا بانسحاب منظم للقوات الأميركية وقوات التحالف. الجيش العراقي والشرطة العراقية، اللذان نعول عليهما لتسلم مهام الأمن قبل انسحابنا، أصبحا جزءاً من المشكلة أكثر من كونهما جزءاً من الحل.
فالجيش والشرطة كلاهما مؤلفان بالكامل تقريباً من الشيعة والأكراد، والميليشيات المختلفة التابعة للطرفين تسللت إلى صفوف القوات العراقية النظامية وخاصة في الشرطة. والبعض منهم لم يسهل المذابح الانتقامية فحسب، بل شارك فيها أيضاً.
لقد أولينا ما يكفي من الاهتمام للخسائر الأميركية في الأرواح خلال هذه الحرب المتواصلة منذ ثلاثة أعوام ونصف العام، لكننا تجنبنا إجراء أي حساب تقديري للخسائر المتزايدة في أرواح المدنيين العراقيين. ولقد تراوحت أعداد القتلى من 30 ألفاً، بحسب تقدير الرئيس بوش المتواضع قبل بضعة أشهر،إلى حوالي 50 ألفاً أو أكثر في تقدير أحدث.
الذي يجري الآن، كما يقول الصحافي توم لاسيتر من بغداد، لم يعد «ارتعاشاً على شفير الحرب الأهلية» كما كان عليه الحال خلال الأشهر السابقة، بل هو الحرب الأهلية بعينها. وإذا لم تصدق، فاسأل العراقيين في بغداد الذين لم يعودوا آمنين حتى في بيوتهم ومتاجرهم أو في الشارع أو الحافلة.
اسأل آلاف اللاجئين العراقيين الذين أجبروا على الفرار من الأحياء التي يقطنها خليط طائفتين في مدن وبلدات كانوا يعيشون فيها في سلام ووئام مع من يختلف عنهم في العقيدة. ما نفع حكومة ديمقراطية لا تستطيع تأمين أبسط الحقوق الإنسانية الأساسية - حق الحياة وحقك أن تكون آمناً في بيتك؟ أو ما نفع قوة أميركية أطاحت بديكتاتور دموي لكنها تركت الكثير من العراقيين في أحوال أسوأ مما كانوا عليه من قبل؟
إن حمام الدم الطائفي يجعل الأمر أصعب فأصعب حتى على أكثر المحللين إفراطاً في التفاؤل أن يصدقوا أن العراق سوف يبزغ بشكل أو بآخر كبلد موحد، علماني، ديمقراطي يعمل فيه السنة والشيعة والأكراد والتركمان معاً لبناء المستقبل.
وهذا يجعل كل تصريحات الرئيس بوش بأننا سنحقق النصر فقط إذا بقينا ثابتين على الدرب تبدو فارغة أكثر من أي وقت مضى.
من يملك أن يعرف النصر؟ العراقيون أم نحن؟ عند مرحلة معينة، سيكون كلا الطرفين راغبين في تعريف النصر ـ أو على الأقل الفرج ـ بأنه رحيل قواتنا عن تلك الأرض الدموية الحزينة. وإذا كان الأمر كذلك، دعونا نأمل بأن نكون قد تعلمنا على الأقل بعض الدروس المفيدة من تجربة استثمار حياة 2500 جندي أميركي و400 مليار دولار أو أكثر من أموال دافعي الضرائب.
خدمة «لوس أنجلوس تايمز»
خاص لــ«البيان»