والعدوان الإسرائيلي الغاشم على لبنان يتهيأ لدخول شهره الثاني بدون أن تلوح في الأفق بارقة أملٍ حقيقية لموقف دولي مسؤول يفضي إلى إنهاء تلك الحرب الهمجية التي تدفع بالمنطقة إلى أتون كارثة ستحرق إذا ما اشتعلت الأخضر واليابس، تبرز، وفي هذه اللحظات، العديد من التساؤلات المرتبطة بالموقف الدولي المتخاذل إزاء ما يتعرض له لبنان المعتدى عليه وكذا ما يقترفه المعتدي من انتهاكاتٍ تندرج آثامها في حكم الجرائم بحق الإنسانية.
إذ أن المؤسف حقاً أن يُقابل كل ذلك بمواقف دولية تتوزع ما بين ترديد عبارات الأسى والتصريحات الخجولة وبين التغاضي المقيت الذي وصل في بعض جوانبه إلى توفير الغطاء لذلك العدوان وتعطيل أية خطوةٍ تقود مجلس الأمن إلى ممارسة واجباته في وقف العدوان، وإيجاد الحلول العادلة والمخارج السلمية للمعضلات القائمة ولما من شأنه تطويق أي تدهور يضاعف من الاحتقانات التي تخيم على أجواء المنطقة.
وأمام هذه الحالة من التلكؤ الدولي والتخاذل المثير للاستغراب، فإن من المؤكد تماماً أن التعامل الدولي مع مجريات العدوان الإسرائيلي السافر على لبنان قد انعكس بسلبياته على مكانة المؤسسات الدولية، المعنية منها بحفظ الأمن والاستقرار الإقليمي والدولي كمجلس الأمن ومنظمة الأمم المتحدة، أو تلك التي تتصل مهامها بالدفاع عن حقوق الإنسان وقيم التعايش بين الشعوب والمجتمعات.
وتتحقق جوانب هذا الضرر الذي لحق بتلك المؤسسات الدولية في إدراك كل ضمير حي أنه ليس هناك قانون أو شرعة تجيز أن يستباح بلد بأكمله وأن تنتهك سيادته وتدمر منشآته الحيوية والاقتصادية وبنيته التحتية من طرق وجسور ومستشفيات ومرافق خدمية كما حصل، ولايزال يحصل، بحق لبنان الذي استهدفته الآلة العسكرية الإسرائيلية من البر والبحر والجو بعجرفةٍ متناهية تجاوزت في تماديها وإجرامها حدود كل ذلك التدمير إلى قصف المدن والقرى الآهلة بالسكان وهدم العمران على رؤوس الأبرياء من الأطفال والشيوخ والنساء وارتكاب المجازر الجماعية بحق المدنيين كما هو الأمر في مجزرة «قانا» والمجازر الأخرى التي ذهب ضحيتها عائلات بأكملها.
وإذا كان من الثابت أن مثل هذه الأفعال العدوانية تجرمها القوانين والمواثيق الإنسانية وكذا الشرائع السماوية فليس هناك ما يبرر أيضاً للمجتمع الدولي تعاطيه المخجل مع البلطجة الإسرائيلية التي لا تلتزم بأية مبادئ أخلاقية، خاصة إذا ما علمنا بأن مثل ذلك التعامل الذي بدا منحازاً إلى الجاني أكثر من الضحية هو ما شجع جنرالات إسرائيل على مواصلة حربهم الخبيثة على أبناء الشعب اللبناني بالتزامن مع تصعيد اعتداءاتهم على الشعب الفلسطيني الأعزل وممارسة أبشع أنواع الإذلال بحق هذا الشعب الصابر.
الذي تغتصب أرضه وتسفك دماء أبنائه وتصادر حقوقه في الحرية والكرامة والسيادة وتنهش تطلعاته وإرادته الوطنية على نحو مذل تجسدت آخر صوره وفصوله في قيام إسرائيل باختطاف رئيس المجلس التشريعي الفلسطيني وعدد من أعضاء هذا المجلس المنتخب بطريقة ديمقراطية من قبل الشعب الفلسطيني.
والحقيقة أن إسرائيل وبغض النظر عما تحظى به من دعم وانحياز دولي تعيد العالم بتلك الأعمال الوحشية إلى عصور الماضي السحيق التي كانت تحكمها شريعة الغاب المنفلتة من أية معايير وضوابط قيمية حيث كان القوي هو من يفرض مفاهيمه على من هم أقل منه قوة وقدرة ليطغى منطق القوة على منطق الحق والعدل، وتسود عوامل الصراع على مادونها وهي الفوضى التي استنزفت البشرية في تلك العصور وجعلتها تدفع ثمنه باهظا من أجيالها التي حصدتها الحروب الواحدة تلو الأخرى بدرجةٍ مفجعة لازالت بعض موروثاتها تنوء بها الحضارة الإنسانية في هذا العصر.
ونعتقد أنه ليس من مصلحة أحد في هذا العالم تكريس مثالب تلك الحقب لصالح حسابات سياسية أو مصلحية ترى في رعونة الكيان الإسرائيلي منفذاً لتمرير أهدافها إما بدافع الثأر من الآخرين أو رغبة في إضعاف مقاومتهم للسيناريوهات التي تم إعدادها لمنطقتهم وإرغامهم على القبول بما أُعدّ لهم كصيغة الشرق الأوسط الجديد أو الكبير أو بين البينين.
إذ أن من يظن أن يإمكانه إلغاء وشطب خصوصيات شعوب هذه المنطقة بل ومحوها من التاريخ إنما هو الذي يتعامى بقصدٍ أو بدون قصد عن حقائق كثيرة ويقرأ الحاضر والمستقبل قراءة مغلوطة، ومن ذلك ما تدل عليه دروس المواجهة بين المقاومة اللبنانية والآلة العسكرية الإسرائيلية فها هي كل الشواهد تعيد إلى الأذهان ما سبق وأن نبهت إليه اليمن وقيادتها السياسية بزعامة الرئيس علي عبدالله صالح من أن جنون القوة والمذابح التي ترتكبها إسرائيل لن ينتج عنها سوى المزيد من الدماء والعنف والويلات التي ستلحق بالجميع بما في ذلك إسرائيل.
وها هي الأصوات تضج من داخل إسرائيل نفسها طلباً لإيقاف الحرب التي يخشى أن تمتد آثارها لتقويض آخر فرصة لإحلال الأمن والاستقرار في هذه المنطقة التي تموج بأزمات مستحكمة عجز مجلس الأمن وغيره عن حلها، ليس لمحدودية الحلول، ولكن لأن اعتبارات تخص البعض تقتضي منه تأجيل ذلك إلى أن يحين الوقت الذي تتناغم فيه مصالح تلك الأطراف مع ضرورات إحلال السلام والاستقرار في هذا الجزء الهام والاستراتيجي من العالم الذي تنصهر فيه الكثير من المنافع الدولية على قاعدة التجاذب أحياناً والتصادم أحياناً أخرى.