عندما كانت الثورة الفرنسية تقطع رؤوس أبنائها، كتب الروائي الإنجليزي تشارلز ديكنز يقول: «كانت تلك الفترة أفضل الأوقات، وكانت أسوأ الأوقات». على النقيض من ذلك، فإن أميركا عند منتصف عام 2006، لا تمر بأفضل الأوقات ولا بأسوأ الأوقات.

لماذا إذن إحساسنا بالضيق والامتعاض على نطاق واسع؟ من الطبيعي أن المذابح اليومية في العراق، بدون وجود أمل عقلاني بأية نتيجة نجاح مستقبلية، تخلق نوعاً من الكآبة والانقباض. والأسوأ من ذلك، كما يقول المعلقون الكوميديون التلفزيونيون هو أن «سوق البورصة تتذبذب في انخفاض بنفس القدر الذي تتعرج فيه ارتفاعاً».

بوسع أي طبيب أن يخبرك عن تجربته مع أشخاص مصابين بوسواس المرض. وحالما يتم شفاء هؤلاء من مرض لا وجود له أصلاً، تجدهم يكتشفون مرضاً آخر بحاجة لعلاج ناجح. وحتى عندما تكون مشكلتهم مجرد ظهور فطريات على الأظافر، تشتد بهم المخاوف من تحول هذه الفطريات إلى مرض خبيث قاتل.

والحقيقة بشأن الاقتصاد الأميركي والاقتصاد العالمي هي أن 2006 تتجه لتكون سنة بأداء فوق المتوسط. وهذا مدعاة للبهجة على مستويين فقط.

ينبغي لفريق البيت الأبيض الابتهاج لأن هناك أخباراً إيجابية نوعاً ما تمنحه استراحة من الأخبار السلبية المتواصلة التي تخفض شعبية الرئيس جورج بوش. فهذه المرة، يبدو وزير خزانته المعين حديثاً، هنري بولسون، الذي لا يزال إلى الآن يشغل منصب الرئيس التنفيذي لبنك غولدمان ساكس الاستثماري - يبدو مؤهلاً بشكل جيد لذلك المنصب. وهذه سابقة مهمة في إدارة بوش.

وفي الواقع أن بولسون هو من الناحية العملية اقتصادي مستنسخ عن روبرت روبين، وزير الخزانة في عهد كلينتون، الذي كان أيضاً قبل 1992 الرئيس التنفيذي لبنك غولدمان ساكس. وكان روبين شخصاً أساسياً في إيجاد الفوائض المالية المفيدة لأميركا في أواخر التسعينات.

لكن عليك ألا تتعجل في الابتهاج بأن أشخاصاً غير مؤهلين مثل بول أونيل وجون سنو تقاعدوا لإمضاء وقت أطول مع عائلاتهم. عندما كنت مستشاراً مقرباً من السيناتور والرئيس جون كنيدي، تعلمت كيف تكون الحياة حقاً في القمة.

إن رئيس الدولة يحصل على المستشارين من النوع الذي يريده هو. لو كان بولسون، عند مغادرته وول ستريت، يؤمن بأن التخفيضات الضريبية الكبيرة الممنوحة للأثرياء، تشكل عاملاً مساهماً في مفاقمة مشكلة العجز الدولي المتعاظم الذي تعاني منه أميركا، لكنا راهنا مراهنة كبيرة على أنه ما كان هناك من شيء يمكنه أن يقنع الرئيس بوش بتخفيف إصراره على جعل هذه التخفيضات دائمة.

وعندما يلتقي خبراء الاقتصاد الدوليين في أوروبا أو أميركا أو آسيا، فهم يتناقشون، خلال ساعات الاستراحة، حول تقييم كل منهم لأداء المحافظين المختلفين للبنوك المركزية في كل من اليابان والولايات المتحدة والبنك المركزي الأوروبي الجديد. ولقد حضرتُ اجتماعاً من هذا النوع أخيراً.

وسمعت من الخبراء المجتمعين آراء تجمع تقريباً على أن اليابان وأوروبا على صواب في اتجاههما لرفع أسعار الفائدة «بشكل مضبوط» بهدف التخفيف من حدة مخاطر التضخم التي تعزى إلى الارتفاعات الحادة في أسعار نفط أوبيك، والارتفاع الكبير في أسعار المعادن والمنتجات الزراعية، وأخيراً تضييق أسواق العمل خارج أميركا. ولم أسمع من قبل أبداً مثل هذا الثناء من قبل ذلك الفريق من الاقتصاديين الرزينين.

وكان أكثر ما فاجأ مجموعتنا من الخبراء الاقتصاديين مدى قوة المبادئ الأساسية لمنظمة التعاون والتنمية الاقتصادية المؤلفة من 15 عضواً في وجه صدمات عديدة جداً في مجال العرض، وفي وجه التهديدات الإرهابية والتحديات الجديدة من المجتمعات الصاعدة مثل الصين والهند. لكن حتى عندما يكون الاقتصاديون متفقين بشكل عام، فهذا لا يمنع أنهم قد يكونوا مخطئين- كما حدث في أوائل 1929 عندما قيل للرئيس سيئ الحظ هيربرت هوفر أن المستقبل يبدو مشرقاً.

والفارق بين الآن وما قبل ثلاثة أرباع القرن هو أنه في حينها لم يكن لا هوفر ولا الكونغرس يعرف ماذا يفعلون حيال الركود العظيم الذي بدأ ينشأ عن انهيار أكتوبر1929. وبعد أربع سنوات صعبة من الهبوط والإفلاس استطاع الرئيس الجديد فرانكلين روزفيلت إطلاق الميزانية الكبيرة التي التفت حول حلقة الأعمال المفرغة في أميركا.

ولنفترض أنه مع بداية 2007، هبط سوق الإسكان الأميركي بشكل كبير لدرجة خفضت إنفاق المستهلكين على استثمارات الأعمال. فلتطمئنوا أن بنك الاحتياط الفيدرالي، وكل البنوك المركزية في الخارج، لن ترتجف لأربع سنوات أو حتى لستة أشهر. وبدلاً من ذلك، فهي تستطيع أن تفعل، وسوف تفعل، ما فعله رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي المتقاعد ألان غرينسبان عندما تسبب انهيار بورصة وول ستريت عام 2000 بركود مؤقت في 2002 وما فعله غرينسبان هو تخفيض سعر الفائدة للبنك مرة تلو الأخرى. وكان من المفترض أن يؤدي ذلك إلى تشجيع الانتعاش الاقتصادي، ولقد أدى الغرض المرجو منه بالفعل.

لا تخطئوا في فهم رسالتي. ما أقصده ليس أن السياسات الاقتصادية الكلية يمكن أن «تضبط» كل ذبذبة في مؤشر ظروف الأعمال والإنتاج. لكن ما أقصده بالتأكيد هو أنه في هذه الألفية، يمكن تعليق الأمل على الإجراءات الكلية التكيفية لاحتواء البطالة والتضخم ضمن هوامش أقل من تلك التي كانت ممكنة قبل 1929 و1980.

وهذا يعني أننا مازلنا بعيدين عن الكمال. لكنه يساعدنا في حمايتنا من هبوطات اقتصادية كبيرة تستمر لعشر سنوات كما حدث في اليابان في التسعينات أو في أميركا في الثلاثينات.

في هذه الأثناء ستتجه كل الأنظار إلى اليابان بعد أن يتجرأ مصرفها المركزي على إعادة أسعار الفائدة الإيجابية بدلاً من معدلات الفائدة المعدومة المطبقة طيلة ست سنوات لمواجهة التضخم. ومازال الرئيس الجديد لبنك الاحتياط الفيدرالي الأميركي الدكتور بن بيرنانكي بحاجة لأن يبرهن لهيئة التحكيم بأن طريقته في التصدي لخطر التضخم يمكن إن تبقي وول ستريت على اطلاع تام على ما يجري بدلاً من إرباك السوق بالتصريحات الضبابية.

ولا ينبغي أن أنسى ذكر السحابة طويلة الأمد التي تخيم على مستقبل سعر صرف الدولار الأميركي. وكثيراً ما نسمع الآن في معظم الشهور عن الفوائض الصينية المتعاظمة والمديونية الأميركية الدولية المتسارعة. وما تحصده أي أمة يعتمد على ما تزرعه وتستمر في زراعته.

خدمة «لوس أنجلوس تايمز»

خاص لـ «البيان»