جاءت الفضائيات العربية للتعبير عن الذات ولتأخذ مكانها على الساحة الوطنية والإقليمية والدولية حتى لا تترك الفراغ للآخرين. ومن أهم النتائج التي حققتها هذه القنوات أن المواطن العربي أصبح بضغطة زر ينتقل من دبي إلى دمشق، إلى بيروت إلى تونس مرورا بالقاهرة. وجاءت آمال المشاهد العربي كبيرة وهو الذي كان يعاني من قلة المادة الإعلامية والثقافية والإبداعية العربية.
وبالمقابل كان يعاني يوميا من التدفق الإعلامي والثقافي الغربي الذي يقابله ويواجهه في كل وسيلة من وسائل الإعلام. لكن سرعان ما تبددت أحلام المشاهد العربي في الفضاء الإعلامي العربي وأصبح يتساءل هل هذه الفضائيات جاءت نقمة لتكمل ما أبقاه الإعلام الغربي عند المواطن العربي. وتكاثرت الشكاوى والاحتجاجات والانتقادات، فمنهم من منع القنوات الفضائية عن أهله ومنهم من أفتى فيها وحرمها ومنهم من قال انه من المستحيل مشاهدة بعض الفضائيات العربية مع الأهل.
في ظل هذه التناقضات الصارخة بين واجب الرسالة والتهافت على المادة والربح والإعلانات غاب العمل الإعلامي الهادف وغابت استراتيجية توجه القنوات الفضائية العربية للتركيز على الإنتاج وخدمة المواطن العربي في تنوير عقله وتوجيهه وتزويده بالرصيد المعرفي والثقافي والحضاري حتى لا يضيع في أوساط التدفق الإعلامي العالمي الذي لا يعرف حدودا ولا قيماً ولا ديناً. وفي خضم العولمة والثورة المعلوماتية جاءت الفضائيات العربية لتكرس التبعية وتذوب في الثقافة العالمية وفي الآخر وأصبح هدفها هو البث فقط وبث أي شيء بغض النظر عن من هو المنتج وما هي هويته وماذا يحمل من قيم في هذا المادة المعلبة.
فالعمل الاستراتيجي على المستوى العربي في ميدان الإعلام يكاد ينعدم تماما واللجنة المنبثقة عن جامعة الدول العربية لم تستطع أن تواجه التحديات خاصة وأن على مستوى كل دولة نلاحظ غياب وضوح الرؤية وغياب استراتيجية ترقى إلى الدور الاستراتيجي للإعلام سواء على المستوى المحلي أو الإقليمي أو الدولي.
وفي ظل غياب استراتيجية واضحة فإن أي قناة عربية لا تستطيع أن تدافع عن الهوية العربية ولا تستطيع أن تواجه التدفق الإعلامي الغربي والثقافة العالمية والثورة المعلوماتية والغزو الثقافي، فهذه الأمور كلها بحاجة إلى عمل وتخطيط وتدبير مسبق يعتمد على التخطيط والدراسة والبحث العلمي. فأي عمل وأي قرار لا يعتمد على مدخلات صحيحة ومعلومات وافية فيكون مآله الفشل وعدم القدرة على منافسة الآخر.
انطلاقا مما سلف تحتاج الفضائيات العربية لاستراتيجية موحدة حتى تلم شملها وتوحد قواها سواء بالنسبة للإنتاج وللأهداف. فالعمل المشترك بين القنوات الفضائية العربية سيكون مجالا ثريا وغنيا سواء لتبادل التجارب والخبرات وللتقليل من تكاليف الإنتاج أو لعملية التوزيع حيث ان سوق الاستهلاك يزخر بأكثر من 300 مليون نسمة تجمعهم اللغة والدين والتاريخ وإلى حد كبير العادات والتقاليد.
وهذا يعني أن بإمكان الفضائيات العربية أن تشترك في برامج الأطفال، والمحافظة على البيئة، والتثقيف الصحي، والتوعية الاجتماعية، والتربية والتكوين والتعليم، وهذه الأمور على سبيل المثال وليس الحصر من الأولويات الرئيسية في كل دولة عربية وبدون استثناء.
الحاجة إلى ميثاق شرف على مستوى الفضائيات العربية أصبح ضرورة ملحة يجب على الجميع الالتزام بها حيث سيضع حدا للبرامج الهابطة وبعض المظاهر التي تحرج وتخدش كرامة المشاهد العربي في مجلسه، كما أن من شأن هذا الميثاق أن يعمل على ترشيد عمل الفضائيات وحثها على القيام بدورها الاجتماعي والتنموي والتربوي في المجتمع. فمن واجب المسؤولين في وزارات الإعلام العربية أن يحددوا نسبة معينة من الإنتاج الوطني للبث في القناة الفضائية.
وكذلك ضرورة تنويع البرامج والاهتمام بكل الشرائح الاجتماعية، وضرورة بث نسبة معتبرة من البرامج الثقافية والعلمية والتربوية والتوجيهية والتعليمية. وبهذه الإجراءات تستطيع القنوات الفضائية العربية أن تكون لها شخصية خاصة بها وأن تكون لها هوية يجد من خلالها المشاهد العربي ذاته ونفسه ووجوده.
الإعلام في الدول العربية قاطبة لا يخرج عن الخطاب الرسمي وقبضة الساسة ومن هنا فإن الجمع ما بين انعدام الحرية والمسؤولية الاجتماعية سيكون ضربا من الخيال والضحية تكون المهنة والمستهلك بطبيعة الحال. والإعلام الذي تنقصه الحرية لا يستطيع أن يتوفر على المصداقية ولا يستطيع أن يواجه التحديات المختلفة في عصر العولمة والصناعات الثقافية العالمية.
ومن هنا نرى أنه من الضروري والواجب تحرير الإعلام العربي بصفة عامة والفضائيات بصفة خاصة. والمطلوب هنا ليس هو التحرير المطلق بدون توجيه وتخطيط وإنما هو ذلك التحرير الذي يوظف لخدمة المجتمع ولخدمة الفرد والصالح العام. فإذا كانت هنالك تجاوزات من أي طرف كان فمن واجب المؤسسة الإعلامية كموجه وكمرشد وكناقد وكمراقب أن تضع النقاط على الحروف وتستدرك الرأي العام لوضع حد للتجاوزات.
في هذه الحالة نستطيع أن نقول ان الفضائيات العربية مؤهلة للقيام بدورها الاجتماعي والسياسي والثقافي والحضاري في المجتمع سواء كان محليا أو دوليا.لقد حان الأوان أن تغير الحكومات العربية من رؤيتها للفرد ومن نظرتها وفلسفتها للإعلام. فالمؤسسة الإعلامية الخاضعة والمستسلمة لا تستطيع أن تنافس مؤسسات أخرى تنعم بإمكانيات جبارة وبحرية تساعدها على الإبداع والإنتاج الجيد وكسب المشاهد ليس على مستوى الوطن فقط وإنما على المستوى العالمي وخير دليل على ذلك ال بي.بي.سي.
ففاقد الشيء لا يعطيه، فهناك تناقض صارخ بين الكلام عن البعد الثقافي والحضاري والديني والرسالة الإعلامية الجادة والهادفة في الفضائيات العربية والجري وراء الإعلانات والربح السريع والإثارة والمادة الإعلامية الهابطة. الجمع بين الاثنين مستحيل حيث نلاحظ أن نسبة كبيرة من الفضائيات العربية فضلت الكسب السريع على الرسالة الإعلامية الجادة.
تواجه الفضائيات العربية تحديا هاما حيث انها مطالبة بحماية المشاهد العربي من التدفق الإعلامي الغربي ومن التشويه والنمطية وفبركة الواقع حسب أهواء ومصالح القوى الفاعلة في النظام العالمي،هذا من جهة ومن جهة أخرى فإنها مطالبة بإبراز الهوية العربية والثقافة والحضارة والوجود العربي عبر ما تبثه من برامج وإنتاج فكري وأدبي، إن كان هنالك إنتاج.
فهناك إذن تحدٍ حضاري وتحدٍ اجتماعي قيمي.
ومن مهام الفضائيات العربية كذلك البناء القيمي والأخلاقي والمعرفي، فإلى أي مدى نجحت الفضائيات في تحقيق هذه المهمة؟ فبدلا من مقاومة الغزو الثقافي وانعكاساته الخطيرة على الفرد والمجتمع نلاحظ أن معظم قنواتنا أصبحت تروج لثقافة الغير ولأفكاره وأيديولوجيته على حساب هويتنا وثقافتنا. وهكذا نلاحظ ذوبان التراكم القيمي والمعرفي والاجتماعي للمواطن العربي في الثقافة العالمية.
والملاحظ للإعلانات التي تبث في القنوات الفضائية يستنتج أن معظمها لشركات متعددة الجنسية ومحتوى هذه الإعلانات يعمل على تكريس ونشر قيم استهلاكية عند المواطن العربي، وهذه القيم قد لا تمت بأية صلة للنمط الاستهلاكي العربي وللثقافة العربية. ومن هنا نستنتج أن قنواتنا الفضائية بدلا من مواجهة الغزو الثقافي والرد على مظاهر الاغتراب والذوبان في الغير أصبحت قنوات تعمل على نشر القيم الغربية وبكل افتخار واعتزاز.
ما زالت الفضائيات العربية لم ترق بعد إلى المستوى المطلوب منها ولم تحقق المعادلة الصحية بين الموازنات الهائلة المخصصة لها والأهداف المحققة، حيث ان الهوة كبيرة جدا.
ومن هنا نرى ضرورة التخطيط الاستراتيجي وتحديد الأهداف والوسائل الضرورية لتحقيق هذه الأهداف، وكذلك ضرورة العمل المشترك بين الدول العربية. من أهم الحلول للخروج من هذا العقم القاتل هو التركيز على البحث العلمي وتكوين وتدريب الإطارات وتزويدها بالمهارات العالية وتخصيص الموازنات الضرورية للإنتاج وتشجيع القطاع الخاص للاستثمار في الصناعات الإعلامية والثقافية.
كلية الاتصال
جامعة الشارقة