لا تريد إسرائيل أن تترك لبنان الشقيق إلا وقد صار دماراً وخراباً. لا تريد الدولة العبرية أن تقوم لدولة لبنان الشقيق قائمة.

تريد تجريده من سيادته وتركيعه وتحويله إلى كيان سياسي هزيل كجزء من مخططها الأكبر أو مشروعها الصهيوني القائم على بسط نفوذها وسيطرتها الكاملة على المنطقة العربية. والدليل على المخطط الإسرائيلي لا يكشف عنه ضمنا الإسرائيليون وحدهم بل ان الولايات المتحدة سبقت حكومة أيهود أولمرت في الكشف عن المخطط بشكل مباشر، وذلك عندما وصفت وزيرة الخارجية الأميركية كونداليزا رايس بكل وضوح ودون لف أو دوران العدوان الإسرائيلي على لبنان بأنه مخاض الشرق الأوسط الجديد؟!

والمولود المنتظر الذي تريده أميركا هو نفسه المشروع الصهيوني العتيق الذي تبنته حكومات الدولة العبرية المتعاقبة منذ تأسيس إسرائيل عام 1948؟!

تريد واشنطن أن تفرد إسرائيل أجنحتها على أرجاء المنطقة، ولذلك لم تقبل حتى كتابة هذه السطور أي وقف «فوري» لإطلاق النار حتى تحقق الدولة العبرية ما يرضيهما معا.

لقد مر30 يوما على العدوان الإسرائيلي الدموي الذي يتعرض له لبنان الشقيق. شهر من القتل والتدمير والتخريب تمارسه آلة الحرب الإسرائيلية. ولأن المخطط الصهيوني لم يحقق هدفه حتى الآن بسبب صمود المقاومة اللبنانية الباسلة من جانب وتماسك الشعب العربي اللبناني وحفاظه على وحدته الوطنية من جانب آخر، فالعدوان الصهيوني مستمر، بل ويسعى أولمرت إلى توسيع نطاقه وهو ما فعله ابتداء من ليلة أول من أمس.

على مدى شهر، يواجه لبنان مجازر وقصفا تدميريا لمنشآته وبنيته التحتية.

سقط أكثر من 1100 شهيد، من بينهم 30 % من الأطفال دون سن الثانية عشرة. وأصيب ما يقرب من أربعة آلاف لبناني اكتظت بهم المستشفيات التي لم يسلم بعضها من التدمير مثل مستشفى الحكمة في بعلبك. وتشرد بسبب العدوان أكثر من مليون لبناني نزحوا بعيدا عن القصف الإسرائيلي الوحشي الذي يستهدف المدنيين في المقام الأول.

وخلال الثلاثين يوما الماضية، دمر الإسرائيليون أكثر من مائة جسر ومعبر وطرق وشبكات مياه وكهرباء ومحطات وقود منها خزانات مطار بيروت، وأسطول من الشاحنات يصل إلى 500 شاحنة، إلى جانب تدمير وتخريب المزارع بما فيها مزارع الدواجن التي نفق منها أكثر من مائة طن. وعشرات المصانع في البقاع وجنوب وشرق لبنان، وحتى مصانع الألبان لم تسلم من التدمير. والأبشع، كان استهداف أماكن العبادة وعلى رأسها مسجد الإمام علي في بعلبك والعديد من مساجد الجنوب، بل وأيضا إحدى الكنائس وهي كنيسة في بلدة راشيا الفخار في جنوب شرق لبنان.

هذه الجرائم وغيرها ـ لم يتم حصرها بعد ـ ارتكبت على مدى الثلاثين يوما الماضية. وبالتأكيد ستتسع رقعة التدمير وترتكب مجازر أخرى قد تفوق ما حدث في قانا. فيد إسرائيل طليقة تفعل ما تريد بعد أن اطمأنت إلى عجز المجتمع الدولي وضعفه بل وشلله حيث لم تنطق الأمم المتحدة التي تعد لسان حاله ولو بكلمة عتاب أو لوم إلى إسرائيل.

لقد أُطلق الضوء الأخضر لإسرائيل لتواصل عدوانها، وهذا الضوء لم يخفت بعد. وحتى كتابة هذه السطور لم يصدر قرار من مجلس الأمن يطالب بوقف النار فورا. وأكثر ما تطالب به الولايات المتحدة الآن بعد أن صعدت إسرائيل من عدوانها ليلة أول أمس،هو ضبط النفس، أو بالتحديد على حد تعبير الناطق باسم الخارجية الأميركية شون مكورماك «التزام أقصى درجات الحرص»!!