المتأمل في الوضع اللبناني يجد أن الكلمة الأولى والأخيرة لاسرائيل: طلبت فترة سماح تجيز لها القتل والتدمير، وقد وجدتها، وانشغل العالم بمناقشة المشروع القرار الأمريكي الفرنسي الذي لا يأخذ مصلحة المعتدى عليه (الشعب اللبناني) في حساباته، بل يدفع باتجاه أن يستبدل الاحتلال الاسرائيلي باحتلال متعدد الجنسيات، وستعمل هذه القوة فوق القرى اللبنانية لضمان أمن شمال اسرائيل.
هذا التأمل للوضع الراهن يرى فيه صعوبة تحديد موقف في ظل هيمنة الرأي الواحد، والمستفيد الأوحد هو الجانب الاسرائيلي فاي اطالة في أمد النقاشات يفتح للدولة المعتدية ممارسة لعبة القتل والتدمير فيما يجتمع مجلس الأمن تحت قبب القاعات الجميلة والأنيقة مغيبا ما يدور في لبنان من بشاعة تمارسها اسرائيل، على مرأى ومسمع من العالم، وكأن المهم الآن هو اطلاق سراح الجنديين وضمان الشمال الاسرائيلي من العدوان اللبناني وليس العكس.
ان مقولة الوزير الالماني امس الأول في أن لبنان ليس في موضع يسمح له بطلب تعديلات تأتي قراءة للوضع على الأرض، فالدول الغربية تبدو عاجزة أكثر من الدول العربية في ايقاف هذه الهمجية التي لا تجد لها رادعا، ومهما بالغ العرب في اتهام الولايات المتحدة بأنها لوحدها تمتلك الحل فان اسرائيل تدرك أن الوقت يمضي ثقيلا عليها ولا يجب الالتفات لهذه المطالبات العربية المتوسلة من واشنطن لجم الحكومة الاسرائيلية في هدنة على الأقل..
من هذا المنطلق الخطير يكون بديهيا أن تعلن الحكومة الأمنية في اسرائيل توسيع دائرة العدوان، وكأن لا شيء يحدث في مجلس الأمن، ولا يعنيها ماذا يمكن أن يقول الأعضاء الدائمون لأن الاشارات الواردة من نيويورك تعطي الحافز لمواصلة العدوان، فالمناقشات ستطول وستتسع وكذلك فان دراسة الطلب اللبناني ستأخذ حيزا وقتيا كبيرا سيجد فيه أولمرت فرصة ذهبية لقتل ما تبقى من لبنان، وقد أعلن أولمرت امس معارضته توسيع الحرب البرية على لبنان لتصل الى ما بعد الليطاني متخوفا من خسائر كبيرة في صفوف الجيش الاسرائيلي، لكن المشكلة في خسائر هذا البلد المنكوب، فالمشاورات الدبلوماسية تتطلب وقتا ليس بمقدرة لبنان احتمال الأيام الضاجة بمئات الغارات الاسرائيلية المنطلقة من البر والبحر والجو، شهداء وجرحى ولاجئون يضافون يوميا الى قوائم تكبر أكثر فأكثر.
لقد حقق العرب اختراقا للمنظومة الدولية وكانت وقفتهم جريئة، ولا يمكن المبالغة في أنه يمكنهم فعل أكثر من ذلك، فلم تبق سوى التحركات الدبلوماسية متاحة في عصر القوة والقطب الواحد، ولعل تصريحات الرئيس الفرنسي جاك شيراك مشجعة للموقف العربي حيث دعم أمس فكرة وقف اطلاق النار، وقال ان 'كلا من اسرائيل ولبنان عبر عن رد فعله وعلينا ان ناخذ في الاعتبار ردود الفعل هذه وان نراعي بصورة خاصة مصالح لبنان واستقراره ووحدته وسيادته واستقلاله، مضيفا 'ليس هناك دولة حرة ومستقلة الا وتمارس سيادتها على كامل اراضيها وهذا ما يريده العرب تماما.. لبنان حر يمارس سيادته على كل أرضه، ولا سلطة الا سلطة الدولة.